استشراف المستقبل في الاقتصادات العربية

|

هناك تحديات جسيمة تواجه الاقتصاد العالمي. لكن تذليلها غير مستحيل.
فقد تحقق تقدم جيد في إلغاء دعم الطاقة بالتدريج. وقد قامت كل البلدان المصدرة للنفط برفع الأسعار المحلية، مع التزام كثير منها بإنجاز المزيد.
بدورها، حققت البلدان المستوردة للنفط تقدما في هذا المجال. فقد تعهدت مصر، على سبيل المثال، بتحقيق تقدم أكبر في إصلاح الطاقة ضمن برنامجها الذي يدعمه الصندوق.
وخلاصة القول إن المنطقة العربية حققت بداية واعدة فيما يتعلق بدعم الطاقة، لكن أمامها شوطا طويلا يتعين أن تقطعه، خاصة عن طريق تحديد أسعار الوقود بعيدا عن الاعتبارات السياسية واستحداث آليات للتسعير التلقائي.
أما مجال الإصلاح الثاني، فيتعلق بتخفيف الضغط عن فاتورة أجور القطاع العام. وسيشمل هذا المجال تحسين اتساق مستويات أجور القطاع العام مع المستويات السائدة في القطاع الخاص والابتعاد عن النظام الضمني القائم على رعاية الدولة. وإذا تم ذلك بالصورة الصحيحة ــــ ومع الحماية الاجتماعية الصحيحة ــــ يمكن أن يساعد على إطلاق طاقة الابتكار والإبداع الكبيرة لدى القطاع الخاص، والاستفادة بما يتمتع به شبابكم من إمكانات هائلة.
ولكن إصلاحات فاتورة الأجور ينبغي إجراؤها بحرص وبمنظور استراتيجي. فينبغي تنفيذها ضمن جدول أعمال أوسع نطاقا لسياسة الإنفاق، وربطها بأهداف اجتماعية يمكن تحقيقها، بما في ذلك أهداف التنمية المستدامة. كذلك ينبغي أن تكون منصفة إلى أقصى درجة ممكنة، وأن تتضمن تحليلات مبكرة للأثر الاجتماعي. وينبغي أيضا إتمام هذه الإصلاحات في السياق الأوسع لجهود تنويع الاقتصاد، والحد من الفساد، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وجعل بيئة الأعمال أكثر تيسيرا لإيجاد الوظائف الكريمة والمجزية. والمجال متاح أيضا لتحسين كفاءة الإنفاق الذي يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة. ففي مجال الصحة، مثلا، يؤدي عدم كفاءة الإنفاق على مستوى العالم إلى خصم ما يزيد على العامين من عدد سنوات الحياة الصحية المتوقعة، علما أن تخفيض العامين بنسبة 10 في المائة يحقق الفائدة نفسها التي تحققها زيادة الإنفاق بنسبة 0.7 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وأمام هذه المنطقة فرصة كبيرة لتحسين الأداء في هذا المجال، خاصة في بلدان مثل السعودية ومصر. وفي مجال التعليم، هناك ثغرات كبيرة في الكفاءة أيضا لدى بلدان مثل عمان وموريتانيا ومصر.
وينطبق الأمر نفسه على الاستثمار العام. ففي هذه المنطقة، تقدر الفجوة في كفاءة الاستثمارات العامة ــــ وهي مقياس للقيمة الضائعة بسبب عدم الكفاءة في إجراءات الاستثمار ــــ بأكثر من 20 في المائة في بلدان مثل الأردن وموريشيوس. ونحن نرى أن تعزيز ممارسات إدارة الاستثمار العام يمكن أن يؤدي إلى سد فجوة الكفاءة بنسبة تصل إلى الثلثين. كذلك يشير تحليلنا إلى إمكانية توفير أكثر من 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي سنويا في دول مجلس التعاون الخليجي إذا انخفضت أوجه عدم الكفاءة في الاستثمار العام لتصل إلى مستويات البلدان الأفضل أداء في هذا المجال.
والخلاصة هي أن رفع كفاءة الإنفاق أيضا يحرر موارد يمكن توجيهها للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
إنه جهد ثماره الإيجابية أكيدة ــــ طريق يقود إلى تخفيض الفقر وعدم المساواة دون زيادة في الإنفاق الكلي.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الصندوق يواصل البحث في كيفية دعم سياسة المالية العامة للنمو الاحتوائي والحد من عدم المساواة. وفي آخر عدد من تقرير الراصد المالي، على سبيل المثال، نظرنا في أساليب عملية للحد من عدم المساواة، مع التطرق إلى الضرائب التصاعدية، والاستثمار في الصحة والتعليم، كما بحثنا المزايا والمساوئ التي ينطوي عليها تطبيق مفهوم الدخل الأساسي المعمم.
وتجدر الإشارة هنا إلى وجود بعض الزوايا الواعدة فيما يتعلق بتحسين كفاءة الإنفاق. منها الرقمنة التي يمكن أن تساعد البلدان على تقديم الخدمات العامة بفعالية أكبر وتكلفة أقل. ومنها الأنظمة المتقدمة لإثبات الهوية والاستيثاق من البيانات، مثل التكنولوجيا البيومترية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان تحويل المساعدات الاجتماعية إلى حسابات مصرفية مربوطة بالتكنولوجيا البيومترية عاملا حاسما في الحد من تسرب الدعم في الهند، بينما حققت جنوب إفريقيا خفضا كبيرا في ممارسات الاحتيال والفساد عن طريق التحول إلى استخدام بطاقات الخصم المؤمنة بالتكنولوجيا البيومترية لتوجيه مبالغ التحويلات الاجتماعية للشرائح المستحقة.
وهناك مجال مهم آخر يتمثل في ضرورة تعزيز الحوكمة وتحسين الإدارة المالية العامة. وبالطبع، لا يسعني أن أختتم مقالي دون التوصية بوضع الميزانية على أساس يراعي الجنسين.
وأنا مقتنعة عموما بأن الإصلاحات الصحيحة في السياق الصحيح، ومع توفير الحماية الصحيحة ستتيح لسياسة المالية العامة دعم الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المهمة التي تتطلعون إلى تحقيقها. أود التأكيد على شعوري بالتفاؤل، فالمنطقة العربية قد تكون في مواجهة تحديات كبيرة، لكن إمكانات شعوبها وتصميم قادتها الاقتصاديين كبيران أيضا. وكما يقول المثل العربي "من جد وجد ومن زرع حصد".
تذكروا أن الأمم العربية قادت العالم يوما ما في طلب المعرفة والابتكار العلمي ــــ بل في بلورة الفكرة التي تقول إن العلامات المميزة للحضارة هي الاحتواء والعدالة واللياقة. وأنا أثق تماما بأن هذه الأمور ليست تركة ورثتموها فحسب، بل هي مصيركم الأكيد ــــ حتى يتسنى ترجمة طموحات شبابكم المشروعة إلى واقع مشروع في اقتصاد يعمل لمصلحة الجميع.
وبينما تسلكون طريق الإصلاح، وهو طريق قد لا يكون في كل الأوقات ممهدا وخاليا من العقبات على النحو الذي نتمناه جميعا، أتعهد لكم أن الصندوق سيظل صديقا وشريكا دائما لكم. فسنكون معكم صحبة الطريق وشركاء الرحلة.

إنشرها