سرطان الأسواق

|

في عالم الأعمال يوجد مصطلح يعرف بـ "التسليع" إذا صحت الترجمة بالعربي، لكن باللغة الإنجليزية هو Commoditization الذي يعني تحول المنتجات من منتجات تتنافس فيما بينها بالمزايا والمواصفات، إلى منتجات متشابهة لا يميز بينها إلا السعر!
بمعنى أن المنتج لا يختلف من مصنع إلى مصنع آخر ولا الخدمة تفرق من مقدم إلى آخر، بل جميعها متماثلة بالمواصفات نفسها "تقريبا"، فقط السعر هو الذي يفرق بينها، وإليه يرجع قرار الشراء. في هذه الحالة لا يملك التاجر إلا أن ينافس بالسعر مرغما، وهنا يكون المنتج والقطاع بشكل عام قد تحول إلى سوق السلع أو قطاع سلعي، طبعا تبقى هنالك أمور من الممكن أن تعزز قرار الشراء من بين مصنع أو مقدم خدمة عن الآخر، مثل سرعة التسليم أو خدمات ما بعد البيع أو الموثوقية بالتسليم في المواعيد وغيرها، لكن تظل أمورا ثانوية في سوق ما يسمى سوق السلع. بكل تأكيد إن من أخطر الأشياء التي من الممكن أن تحدث لأي قطاع أو سوق أو منتج أن يتحول تدريجيا إلى سوق أو قطاع السلع، بسبب تحول المنافسة بشكل رئيس إلى منافسة أسعار، وهو الكابوس لأي تاجر أو مستثمر، وعندما تتحول المنافسة إلى منافسة أسعار فإن الفائز دائما هي الشركات الكبيرة، والشركات الصغيرة تلقائيا ستخرج من السوق.
إن من الأمثلة على المنتجات المشهورة التي تعتبر سلعا كثيرة منها: المنتجات الزراعية الأساسية مثل الأرز، الشعير، القهوة، الذرة، القطن وغيرها، وكذلك الصناعات الغذائية مثل زيوت الطعام، بعض الأطعمة المثلجة والسكر وغيرها، كذلك هنالك الصناعات والمنتجات الحيوانية مثل أنواع كثيرة من اللحوم، اللحم المفروم، الحرير والصوف. ومن المنتجات كذلك ما يسمى السلع الصلبة أو المعادن، مثل الحديد، الذهب، الفضة، الألمنيوم وغيرها من المنتجات المعدنية، كذلك النفط والغاز والمواد الأساسية البتروكيماوية تعتبر من أشهر السلع.
هنالك قائمة من الخدمات والمنتجات أقل شهرة كمنتجات أو خدمات سلعية، مثل مقدمي خدمات النت، أو مثل مكاتب المحاسبة، كذلك المختبرات الطبية أو خدمات أقسام الأشعة في المستشفيات أو خدمات غسل الملابس أو الأدوية، التي انتهت حقوق الملكية الفكرية وغيرها كثير وكثير من النماذج الموجودة اليوم لمنتجات وخدمات خرجت من قائمة الأعمال التي يمكن التميز فيها بغير السعر، إلى أن تكون في سوق وقطاع يعمل بنظام السلع.
إن أحد القطاعات التي تمر منتجاتها ما بين فترة وأخرى بما يسمى التسليع هو القطاع التقني، حيث تظهر تقنية جديدة أو منتج جديد ينتشر بقوة وبسرعة ثم يتم دخول عدة منافسين بمميزات ومواصفات مختلفة، ومع الوقت تبدأ تقل الاختلافات ويسيطر على السوق شكل معين ومواصفات متقاربة يعمل بها كل المنافسين، لتتحول السوق والمنتج من منافسة بالمميزات إلى السعر. لعل أحد أبرز الأمثلة قطاع الهواتف المتنقلة، الذي مر بعدة مراحل حتى ظهرت شركة "أبل" بمنتجها الشهير "الآيفون" الذي كسر القاعدة التقليدية في السوق، ويقدم منتجا جديدا بمواصفات وخدمات جديدة، حيث دمجت "أبل" عدة منتجات وخدمات في جهاز واحد، لتتبعها بعد ذلك السوق، وظهر عدة منافسين وظهرت عدة برامج تشغيلية، لكن مع مرور الوقت بدأت تقل الفروقات ويتراجع النمو بالإضافات الجديدة ويخرج من السوق كثير من المنافسين وتستقر السوق على عدد بسيط من برامج التشغيل IOS / Android بدل عدد أكبر من ذلك في السابق، هذا طبعا لا يعني أن قطاع الهواتف أصبح "سلعيا" لكن إذا استمر الوضع فبكل تأكيد سيتحول إليه، ومن ثم تصبح العملية منافسة أسعار بشكل شبه كامل، ولعل جزءا من سوق الهواتف المتنقلة تحول إليه الآن، وهو سوق الهواتف المتنقلة الرخيصة.
إن أي تاجر أو مستثمر يخشى من اليوم الذي يتحول فيه قطاع شركته إلى هذا الوضع، ولذلك يجب أن ينتبه ويعالج لتحسين تنافسية شركته في هذه السوق، وذلك عن طريق عدة حلول منها كمثال: البيع بما يسمى الباقة Product Bundling وهو دمج منتجين في عرض واحد، أو تقديم خدمة مع المنتج، وغيرها من الحلول الأخرى، لكن الأفضل هو البحث عن التطوير والابتكار بحيث يخرج من منتجه وينتشله من تنافسية السعر إلى التميز والتنافس به، فهي الأفضل له على المدى الطويل. لذا فالمنافسة في سوق السلع مرهقة جدا ومتعبة، خصوصا إذا لم تكن من الكبار، لذلك استحق "التسليع" أو Commoditization لقب "سرطان الأعمال" أو "سرطان الأسواق".

إنشرها