المشراق

لويس بيلي من الكويت إلى سدوس ثم الرياض

ولد لويس بيلي عام 1241/ 1825، وبعد أن أتم تعليمه التحق بالقوات المسلحة لحكومة الهند في بومباي، وأدى الخدمة العسكرية من خلال اشتراكه في الحرب الفارسية عام. وكلف بكثير من المهام السياسية، إذ عمل سكرتيرا في المفوضية البريطانية في طهران، وعندما انتهى عمله فيها، عاد إلى الهند عن طريق هيرات وقندهار في أفغانستان الحالية، وكان أول إنجليزي يرى في هذه المناطق منذ الحرب الأفغانية "1838 ـــ 1842". وبعد أن قضى فترة قصيرة مقيما سياسيا في زنجبار، أرسل إلى الخليج ليكون مقيما بريطانيا في بوشهر، وظل في منصبه هذا حتى سنة 1873. وفي عام 1883، دعاه العاهل البلجيكي ليوبولد ليكون مديرا للكنغو، لكن "بيلي" فضل أن يكون عضوا في البرلمان البريطاني. وأخيرا، وافته منيته في عام 1895.
هذا تعريف سريع بالضابط البريطاني لويس بيلي، كتبه مترجما رحلتــه إلى الرياض الدكتــــــور عبد الرحمن الشيخ والدكتور عويضة الجهني.
الرحلة:
نشرت هذه الترجمة جامعة الملك سعود في طبعتها الأولى للكتاب عام 1411/ 1991. وتمت هذه الرحلة عام 1865 والصراع البريطاني - الروسي على أشده للسيطرة على أواسط آسيا، كما كان هناك تنافس بين بريطانيا وفرنسا لبسط النفوذ في منطقة الخليج العربي.
وكان أن زار لويس بيلي عاصمة السعوديين، الرياض، وقابل الإمام فيصل بن تركي "ت 1282" قبل وفاته بأشهر وقد كف بصره، وشاهد بجواره ابنه الصغير الإمام عبد الرحمن الفيصل. وقال في وصف لقائه بالإمام فيصل، "وعندما اقتربت من الإمام نهض بصعوبة وصافحني وتحسس كل يدي ببطء، ثم طلب مني الجلوس بالقرب منه على السجادة. لقد كان كفيف البصر تماما، لكن ملامح وجهه كانت عادية، تمثل الهدوء والصرامة ورباطة الجأش والطمأنينة. لقد كان الإمام يبدو متجاوزا السبعين من العمر، وكان يرتدي ملابس فاخرة تنم عن ذوق، إذ كان يلبس فوق الكوفية العربية عصابة "عمامة" مطوية من الكشمير الأخضر. لقد كان صوته ينساب انسيابا حسنا، كما كانت عباراته هادئة وموزونة. لقد كان جليلا إلى درجة قريبة من الوداعة، ومع هذا تشعر أنه يمكن أن يكون قاسيا عديم الرحمة". ثم أخذ بيلي في سرد النقاش الذي دار بينهما.
رسمة الإمام فيصل بن تركي:
كان مع لويس بيلي في رحلته هذه رسام اسمه ديوز، وقد رسم صورة للإمام فيصل بن تركي، ومخططا لمدينة الرياض، إلا أنه اضطر لإحراق هاتين الصورتين قبل مغادرته الرياض، فضاعت بذلك صورة الإمام فيصل.
بدأت رحلة بيلي من الكويت إلى الرياض عن طريق سدوس ذهابا، وفي الإياب من الرياض إلى الأحساء والعقير. والرحلة حافلة بمعارف متباينة عن الحياة النباتية والجيولوجية والحيوانية وعن العادات والتقاليد وعن جغرافية المنطقة وتاريخها، وهي على صغر حجمها نسبيا، إلا أنها مليئة بمعلومات مفيدة.
قصر وعمود سدوس:
كان في قرية سدوس قصر عجيب مبني من الصخر المنحوت. ذكر عدد من المؤلفين المتقدمين منذ القرن الثالث الهجري، وذكروا أن القصر بنته الجن لنبي الله سليمان، عليه السلام. وقد شاهد الكولونيل لويس بيلي بقايا القصر، وشاهد العمود أو المنارة، ورسمها مرافقه ديوز عام 1281 الموافق 1865، وهي الرسمة الوحيدة المعروفة لهذا العمود. وقال بلي، "يقع بالقرب من حصن سدوس رابية مكونة من ركام وأنقاض ما قد كان مبان عظيمة في زمن مضى، وينتصب على تلك الأنقاض عمود رائع من الحجر المنحوت. لقد كان رأسه مكسورا، ولكن أسطوانة العمود نفسه ما زالت ترتفع إلى نحو 20 قدما، وكانت الكتل الحجرية مستديرة، حيث كانت كل كتلة متناسقة في الحجم مع حجم العمود الذي ربما كان يبلغ قطره نحو ثلاثة أقدام. وكانت القاعدة والقوصرة، والأخيرة دائرية، مقطوعة أيضا من الحجر وبحجم مناسب لارتفاع العمود وقطره. لقد كان سكان القرية يستخرجون الحجارة والتربة من الأطلال المجاورة، كما كانوا يأخذونها أيضا من قاعدة العمود نفسه. وفي الوقت الحاضر، فإن أساس العمود مهدد بالانهيار نتيجة الحفر، لدرجة أن تحريك عدد قليل من الأحجار من القاعدة سينتج عنه سقوط العمود".
ومن النصوص المتقدمة عن هذا القصر، ما ذكره إبراهيم بن إسحاق الحربي "ت 285" إذ قال، "قرية بني سدوس وفيها منبر، وقصر بناه سليمان بن داود من حجر، من أوله إلى آخره". وقال الحسن بن أحمد الهمداني "ت 345"، "قرية بني سدوس بن ذهل بن ثعلبة، وهي قرية جيدة، وفيها قصر سليمان بن داود عليه السلام، مبني بصخر منحوت عجيب خراب، وبقيت القصبة". ونقل ياقوت الحموي المتوفى عام 626، الذي نقل عن السكوني قوله، "قرية بني سدوس بن شيبان بن ذهل وفيها منبر وقصر، يقال إن سليمان بن داود، عليه السلام، بناه من حجر واحد من أوله إلى آخره".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق