الإفصاح والفهم والتفاعل

|
تناغم الأدوار بين المراقب والمستخدم، وبين المدير والمستثمر، وبين مقدم الخدمة والمستفيد، قائم على الثقة، والثقة تبنى على الفهم الجيد والوضوح المتبادل. يأتي الإفصاح المنتظم المعياري على قمة متطلبات الوضوح المؤدي للثقة. لهذا، نجد أن مستندات الرؤية وبرامجها ـــ وكل خطة تنموية طموحة في أي مكان في العالم ـــ مليئة بمصطلحات، مثل الإفصاح والشفافية والمعلومات. وإذا افترضنا جدلا أن الإفصاح موجود، فهل هذا يحقق الهدف؟ تحقيق الإفصاح لأهدافه يعتمد على أمرين: جاهزية المستفيد من الإفصاح "أي وجود القارئ المتمكن الذي يتجاوز أو يقارب فهمه مستوى الإفصاح المطروح"، والأمر الثاني قدرة القارئ على الاستفادة من الإفصاح؟ "وذلك بالتفاعل مع المفصح عنه بطريقة إيجابية مؤثرة". الجواب على الأرجح للسؤالين هو: لا، لا! لا ينحصر الإفصاح المنتظم على القوائم المالية ومتطلباتها وإن كانت أفضل الأمثلة وأوضحها. هناك عديد من متطلبات الإفصاح على الجهات الحكومية والخاصة، ومتطلبات إفصاح قطاعية، ومتطلبات إفصاح تنظيمية بيئية وتجارية وخلافه. تقوم نماذج الحوكمة عموما على فكرة تبادل "الثقة والمسؤوليات والمحاسبة" بين المنظمات والأفراد عن طريق تمكين الأطراف ذات العلاقة بتحديد ملامح الأداء ونتائجه لتتمكن من التفاعل إيجابا وتحقق المنافع المرجوة. لهذا، عندما تنكسر دائرة الإفصاح، سواء أثناء تصنيعه وإخراجه أو وقت هضمه واستيعابه من قبل مستهلكيه، تنكسر دائرة الحوكمة مع الأطراف الخارجية وتتأثر كثيرا. لأننا نمر بمرحلة تغيير في درجة وتنوع وغزارة الإفصاحات عموما، سيكون من الصعب توقيت تطور "متطلبات" الإفصاح مع تطور "تطبيقات" الإفصاح، والأصعب من ذلك، تطور الاستفادة من هذه الإفصاحات. لهذا، كما تهتم الجهات المنظمة والمشرفة على الإفصاح بتطوير متطلباته، عليها أن تسد ـــ ولو مؤقتا ــــ الفراغ الناشئ من فهم واستيعاب ما يتم الإفصاح عنه. على سبيل المثال، لو قامت جهة ما بتطبيق متطلبات الإفصاح البيئي وأعلنت الآثار المتوقعة لمشاريعها في مكان ما، فعلى الجهة المنظمة أن تحرص على وجود حركة تفسير وعكس لهذه الآثار، وبالتالي تضمن استيعاب المجتمع لها أو معالجتها من قبل من يختص بذلك. أما إذا كان الإفصاح يحدث ولا أحد يكترث، فالإنجاز هنا بمقياس النتائج يظل صفرا. لهذه الأسباب، أرى أن توقيت مراحل الإفصاح الفعال وتزامنها الجيد، أهم تحدياته المحلية في الوقت الحالي، هي في نظري أهم من مجرد تأكيد متطلباته واتباعها، لأن الأخير واجب الحدوث ولا مفر منه. لكن المشكلة تحدث حين يتحول الإفصاح إلى مظهر ويفقد جوهره وغايته بسبب عدم اكتمال دورة هذه المراحل "الإفصاح، الفهم، الثقة، التفاعل". توصي نماذج العمل الاجتماعي المنظم على تفسير وتبسيط الإفصاحات للعامة حتى يتمكنوا من فهمها والتفاعل معها. أي التقرير الذي يفصح عن السياسة أو النشاط محل النظر، يتبع بمادة تفسيرية أو تحليلية تشارك النتائج مع الآخرين بلغة مبسطة، في مقطع فيديو أو رسم توضيحي أو تقرير صحافي على سبيل المثال. هناك عشرات الأمثلة المحلية على التفاعل السلبي والتفاعل الإيجابي مع الإفصاح المالي، لأنه أكثر أنواع الإفصاح تطورا في الوقت الحالي. في الأشهر الماضية دخلنا دورة جديدة من تطورات الإفصاح المالي بتطبيق المعايير الدولية للمحاسبة. صدور نسخ محدثة من أنظمة الشركات وأسواق المال والحوكمة يحسن من متطلبات الإفصاح بشكل جذري. من أمثلة التفاعل الإيجابي الأخيرة، ردود الفعل الإعلامية والاجتماعية على مواضيع فنية، مثل احتساب الزكاة لدى المصارف ومكافآت كبار التنفيذيين لدى الشركات المساهمة. بغض النظر عن القرارات والنتائج الإجرائية التي تأثرت بهذه الإفصاحات. حدوث التفاعل في حد ذاته يعد مؤشرا إيجابيا لافتا يرفع من الوعي العام ويجعل لهذه الإفصاحات قيمة مؤثرة. من الجانب الآخر، لا تزال القوائم المالية وتقارير مجالس الإدارة تعج بكثير من المعلومات المحدثة التي لا تلفت الانتباه كثيرا، مثل تلك المرتبطة بأساليب الشركات في إعادة توريد خدماتها أو التمويل التأجيري أو إدارتها للمخزون والمخصصات، ونادرا ما يبني المساهمون قراراتهم الاستثمارية على الجوانب الفنية لهذه الإفصاحات وتأثيراتها المحتملة في مسيرة الشركة في السنوات المقبلة. متابعة هذه الدورة المعلوماتية ـــ التفاعلية المهمة في السياق العام، مسألة مهمة ومؤثرة في العمل التنموي. لهذا أتمنى وجود جهاز أو فريق يهتم بمتابعة إدارة دورة الشفافية على المستوى العام، ويدير التفاعل ويحفزه في مختلف الجوانب والقطاعات المتأثرة بمتطلبات الإفصاح، سواء كان صادرا من جهات حكومية أم خاصة. من الهدر أن نتمكن من إنتاج قدر كبير من المعلومات والبيانات والإحصاءات على مختلف المستويات، ويكون مستوى التفاعل معها متدنيا لا يقترب كثيرا من تكلفة إعدادها.
إنشرها