الانحياز إلى التنمية .. انحياز للحياة

|
التنمية Development كلمة تبدو رشيقة وجميلة، جذرها "نما" بمعنى كبر أو زاد أو كثر؛ وهي بالإنجليزية الإجراء الذي يؤدي إلى التطور نحو الأفضل. ولا تأتي كلمة التنمية وحيدة، بل يرافقها دائما موضوع. فهناك التنمية الاقتصادية، وبين مقاييسها الدخل، توليد الثروة، وتشغيل اليد العاملة؛ وهناك التنمية الاجتماعية، وبين مقاييسها التعاون، وتقديم الخدمات، والعمل التطوعي؛ وهناك التنمية الإنسانية، وبين مقاييسها التعليم، وحسن الخلق؛ ثم هناك التنمية البيئية، وبين مقاييسها نقاء الماء والهواء ومكافحة التلوث. وتأتي التنمية مع هذه الموضوعات ومقاييسها لتعمل على نقلها من حالة راهنة إلى حالة أفضل منها. ومثل هذا الانتقال حميد ومرغوب على كل من المستوى الشخصي، والأسري، والمؤسسي، والوطني، بل على مستوى العالم بأسره. ونأتي إلى كلمة "انحياز" bias، وهي كلمة تبدو محيرة في الدلالة، بين الانحياز إلى جانب نراه إيجابيا،أو إلى جانب آخر نراه سلبيا، ويضاف إلى ذلك مدى الانحياز الذي قد يكون كبيرا أو صغيرا. وتحمل هذه الكلمة بالإنجليزية معنى أقرب إلى السلبية لأنها تفترض الجانب السلبي، ما لم يتم توضيح الجانب المقصود الذي قد لا يكون بالضرورة كذلك. ولا شك أن للناس في كل زمان ومكان انحياز إلى هذا الجانب أو ذاك في شتى أمور الحياة سواء الشخصية أو العامة؛ حيث يرى صاحب كل انحياز أن انحيازه إيجابي، كما يرى أن انحياز الآخر سلبي. ولعل ما نرى من منافسات هادئة، ومن صراعات صاخبة، بين الأفراد والجماعات، والأمم أيضا، ما هي إلا نتاج مثل هذا الانحياز. نريد في هذا المقال أن نطرح "الانحياز إلى التنمية"، فمثل هذا الانحياز جامع وجاذب. أغلب الناس، إن لم يكن جميعهم، يريدون التنمية بمختلف أشكالها، اقتصاديا واجتماعيا وإنسانيا وبيئيا. فهم يرغبون في أن تكون إنتاجيتهم أعلى ودخلهم أفضل؛ ويتطلعون إلى التواصل الاجتماعي والوئام بين الناس؛ ويهتمون بالحصول على تعليم أفضل يعطي ثقافة أوسع ومعرفة تخصصية أعمق، إضافة أيضا إلى التعامل بسلوك أرقى والتنافس بهدوء وموضوعية وليس بصخب وطمع؛ ويطمحون إلى ماء نقي وهواء عليل بعيد عن التلوث. بهذا الانحياز إلى التنمية يخطو الإنسان وتخطو الأمم خطوات إلى الأمام على طريق الإسهام في مسيرة الحضارة الإنسانية. يمتاز الانحياز إلى التنمية، بناء على ما سبق، بأنه وسيلة لنجاح حياة الإنسان وسعادته أينما كان؛ كما أنه انحياز يمكن أن يستوعب الجميع، أيا كان انحيازهم في المجالات الأخرى. ولعله يمكن التعبير عن ذلك بأن "الانحياز إلى التنمية" يمكن أن يحد من "صراع الحضارات"، أو حتى "صراع الفئات". وهذا الأمر كامن في الآية الكريمة "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"؛ فالناس شعوبا وقبائل ينحازون بالطبيعة إلى انتماءاتهم؛ والمطلوب منهم "التعارف" وليس "الصراع" وشتان ما بين الاثنين. والانحياز إلى التنمية والتعاون، أو حتى التنافس الإيجابي، هو الطريق السليم للتعارف المحمود والتنمية المنشودة. وللانحياز إلى التنمية قصص نجاح حول العالم. ماليزيا الدولة الإسلامية الآسيوية بأعراقها المختلفة وولاياتها التسع انحازت إلى التنمية واستوعبت الانحيازات المختلفة والمتعارضة فيها لمصلحة التوجه نحو حالة اقتصادية واجتماعية وإنسانية أفضل للجميع. وكوريا الجنوبية التي خرجت من خلافات وحروب في الخمسينيات من القرن الماضي انحازت أيضا إلى التنمية وكرست جهودها لهذا الانحياز. وهناك أيضا اليابان وألمانيا اللتان انحازتا إلى التنمية بعد انحياز وصراع دولي وحرب عالمية أدت إلى هزيمتهما وتدميرهما؛ لتنطلقا بعد ذلك إلى التنمية، وتتنافسان من خلالها إيجابيا مع الدول المنتصرة، وليكون ميزان التنافس في مصلحتيهما في كثير من الأحيان. ثم هناك الصين والهند، فبعد سنوات طويلة من الفقر، وحتى الجوع انطلقتا نحو الانحياز إلى التنمية، وباتتا من أكبر اقتصادات العالم. ويحتاج الانحياز إلى التنمية إلى: معرفة متكاملة بمتطلباتها وفوائدها؛ تؤدي إلى إرادة تنحاز إليها؛ ثم إلى عمل يسعى إلى تنفيذها. على المعرفة أن توضح مختلف جوانب مشهد التنمية من الناحيتين: العامة أي النظرية؛ والخاصة التي تهتم بالتطبيق في إطار الحالة المطروحة. ولا بد من نشر مثل هذه المعرفة على جميع الناس، وليس فقط المخططين والمسؤولين. فالناس جميعا هم أصحاب المصلحة، وهم أيضا أصحاب حركة التنمية وإجراءاتها. ووسيلة المعرفة هذه هي الإعلام من أجل التوعية وشحذ الهمم؛ والتعليم للتأسيس لشخصية الإنسان الساعي إلى التنمية والماهر في تحقيقها. هذه المعرفة يمكن أن تقود إلى إرادة منحازة إلى التنمية من قبل معظم الناس، إن لم يكن جميعهم، مهما كان انحيازهم في قضايا أخرى مختلفة. ويسهل مثل هذا الموقف العمل والتعاون، وربما التنافس الإيجابي، بين الجميع على تحقيق التنمية المنشودة. ولمجالات التنمية أولويات، ففي التنمية الاقتصادية على سبيل المثال، يمكن تقسيم مجالات الأولويات إلى قسمين رئيسين. يشمل القسم الأول المجالات التي تتبع خصائص الدولة المقصودة؛ ويرتبط القسم الثاني بحالة التقدم العلمي والتقني العالمية القائمة ومدى الجاهزية للإسهام فيها. في إطار القسم الأول: هناك مجالات الثروة الطبيعية التي تملكها الدولة، حيث يمكن استغلال هذه الثروة والاستفادة منها؛ وهناك مجالات الاستيراد، حيث يمكن العمل على الحد من الاستيراد عبر إنتاج محلي مناسب لذلك؛ ثم هناك مجالات القدرة على الإنتاج والتصدير، حيث يمكن الحصول على الثروة بالعملات الأجنبية، ناهيك عن إيجاد الوظائف للإنتاج المستهدف. وفي إطار القسم الثاني، هناك حقول التقنية الرقمية المختلفة، وبينها البرمجة الحاسوبية ومتطلبات الذكاء الاصطناعي التي تحتاج أساسا إلى عقول ذكية مدربة تستطيع الإبداع والابتكار فيها وبناء منتجات تعزز توليد الثروة وتشغيل العقول العاملة. الانحياز إلى التنمية، بشتى جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية انحياز مطلوب.إنه انحياز حميد يجمع الناس أنى كان انحيازهم واختلافهم في المجالات الأخرى، يجمعهم على التعاون، على أعمال مشتركة مفيدة للفرد ومفيدة للمجتمع المحلي، ناهيك عن فوائدها على المستوى الدولي. إنه انحياز مفيد علينا أن نتطلع إليه، نعزز وجوده، ونسعى إلى تنميته.
إنشرها