التنظيم في المجموعات الصغيرة .. العائلة مثالا

|
كلما تقدمت الحياة وزادت الحضارة، فإن حاجات الناس تتعقد وأهدافهم تتعدد، ولهذا يلجأ الإنسان إلى التنظيم لتوجيه هذه المتغيرات وإدارة هذه المتناقضات. نجاح المشروعات العملاقة على مر الحضارة الإنسانية، مثل الأهرامات وسور الصين العظيم، وغيرهما من العجائب، لم يتحقق إلا بالتنظيم، كما أن فشل بعضها الآخر سببه قصور في إتقان وظيفة التنظيم. ووظيفة التنظيم ليست مقتصرة على منشآت الأعمال والمشروعات العملاقة، بل يمكن للمجموعات الصغيرة من عائلات وتنظيمات رسمية وغير رسمية، أن تستفيد من وظيفة التنظيم التي أصبحت ضرورية وحاجة ماسة لتعقد الحياة من حولنا وزيادة علاقاتنا وتوسعها، فلم نعد مرتبطين بمحيطنا الصغير وتجمعاتنا المحدودة، بل اتسعت الدائرة حولنا، وأصبح الناس لهم علاقات بأفراد وجماعات خارج مدنهم، بل خارج حدود دولهم، بل تعدى ذلك إلى علاقات لأفراد وجماعات في مناطق بعيدة من هذا العالم، بسبب توافر وسائل الاتصال والتقنية في عصر المعلومات الذي تعيشه البشرية هذه الأيام. وكلما أتقنت المجموعات الصغيرة التنظيم، وتعلم أفرادها كيفية الاستفادة من تقنياته، تحققت أهدافهم بكفاءة عالية. ولكن، ماذا يقصد بالتنظيم؟ وكيف نستفيد من وظيفة التنظيم في إدارة التجمعات الصغيرة، خصوصا العائلات؟ كيف يستفيد رب الأسرة من وظيفة التنظيم التي تمارس في الشركات والمشروعات العملاقة؟ لكي نفهم وظيفة التنظيم كما يجب، يتعين علينا أن نتأمل جسم الإنسان كيف يعمل؟ تتكون أجسامنا من عدة أجهزة مختلفة، كالجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والجهاز العصبي وغيرها، وكل هذه الأجهزة لها مهمتان. المهمة الأولى فردية، أي أن كل جهاز يؤدي عمله الأساس في الجسم. والمهمة الثانية تعاونية، أي بالتنسيق مع بقية الأجهزة. وبتناغم هاتين المهمتين نشعر بالصحة والسعادة. وأي خلل في هاتين المهمتين "المهمة الفردية والمهمة الجماعية"، يصاب جسم الإنسان بالإعياء وعدم الاتزان، لأن تنظيم الجسم أصيب بخلل بسبب خروج بعض الأجهزة عن التعاون المعتاد منها. والأسرة كمنظومة، تشبه عمل جسم الإنسان تماما. فكل فرد من أفرادها له مهمتان. الأولى، مهمته لإشباع حاجاته وتحقيق طموحاته كفرد. ولديه مهمة أخرى مع منظمة الأسرة يشارك في بنائها ودعمها. وكي تؤدي مهمة التنظيم وظيفتها داخل الأسرة، فيجب أن يتقن جميع أفراد العائلة العمل بهاتين الطريقتين. وكي نعطي موضوع التنظيم حقه في مجال إدارة الأسرة، سنعرض عدة مبادئ ينبغي مراعاتها لضمان نجاح وظيفة التنظيم. أول هذه المبادئ يطلق عليه "مبدأ الهدف"، أي ترتيب الأنشطة الضرورية داخل الأسرة من أجل تحقيق أهدافها. لنجاح وظيفة التنظيم داخل الأسرة، يجب أن يكون الهدف واضحا، ليس فقط لدى رب الأسرة، ولكن عند بقية أفرادها. وجود أب وأم وأبناء وبنات كمجموعة تحت سقف واحد، بالتأكيد له هدف، وإذا لم يكن هناك هدف فليس هناك أي معنى لوجود الأسرة. أو بمعنى أدق، إذا لم يظهر الهدف بوضوح للجميع، فإن الأسرة تسير دون رؤية واضحة، أي دون بوصلة توجه حركتها وتنظم أنشطتها. المبدأ الثاني، يطلق عليه "مبدأ القيادة" أو وحدة الرئاسة أو وحدة إصدار الأوامر. والمقصود وجود مرجعية واضحة للمنزل، فلا يأخذ الابن أو البنت أوامره من عدة مصادر داخل الأسرة، بل من مصدر واحد قد يكون الأب أو الأم أو الابن الكبير أو البنت الكبيرة، حسب المتفق عليه داخل الأسرة. يجب أن تؤخذ الأوامر داخل منظومة الأسرة من شخص واحد، فإذا تعددت مصادر الأوامر ضاعت مرجعية الأسرة، وهذا يعني الدخول في فوضى عارمة، وتفككت هذه الوحدة. المبدأ الثالث هو، "نطاق الإشراف". ويقصد به، المدى الذي يستطيع فيه رب الأسرة أن يمارس الإشراف الفعال على جميع أفراد العائلة. ويعتمد تحديد نطاق الإشراف بعدد أفراد الأسرة، أي كبر أو صغر حجم العائلة. كي يشرف الأب إشرافا فعالا، ينبغي أن يكون عدد الأفراد ما بين خمسة إلى سبعة، فإذا زاد العدد على سبعة، فعليه أن يفوض بعضا من مهامه الإشرافية للأم أو لأحد الأبناء أو لإحدى البنات، الذي يرى فيهم النضج، لأنه سيخل في مهمته الإشرافية إذا زاد العدد على سبعة، فالعقل البشري له حدود، وطاقة الإنسان تنفد. وموضوع "نطاق الإشراف" يقودنا إلى مبدأ تكافؤ المسؤولية والسلطة. فتحمل الأم أو أحد الأبناء مسؤولية ما داخل الأسرة، يجب أن يقابله ما يعينه على تحملها، وذلك بمنحه شرعية تخدمه في أداء مهمته الإشرافية، التي يطلق عليها هنا "السلطة"، يستطيع بموجبها أن يؤدي مهمته في حدود الصلاحيات التي منحت له من قبل الأب، فليس من المنطق أن نحمل شخصا مسؤولية عمل ما دون منحه سلطة. ولكن، يجب أن يراعي الأب أن بعض الأبناء قد يسيء ستخدام السلطة الممنوحة له ويخرج عن مهمته التي أوكلت إليه، وقد يستغل إخوته في تحقيق أهداف تخرج عن أهداف العائلة. بقيت لنا عدة مبادئ، منها مبدأ المركزية، ومبدأ التوازن والمرونة، ولكن المساحة المخصصة للمقال استوقفتني عند هذا الحد.
إنشرها