وراء كل شركة عظيمة إدارة ناجحة

|
عند الحديث عن الإدارة وتحقيقها مصلحة الشركة والملاك لا بد من التطرق إلى ما يعرف بنظرية الوكالة Agency Theory التي تعالج العلاقة بين الملاك والإدارات التنفيذية واحتمالية اختلاف المصالح، حيث إن الملاك لديهم مصالح والإدارة مطالبة بتحقيقها، لكن مهما بلغت الإدارة من تفان فإنها تظل بشرية "وليست الآلات مبرمجة لتحقيق خدمة محددة" لها مطالب وأهداف خاصة بها، قد لا تتقاطع مع اهتمامات الملاك، وهو ما يظهر أهمية الإدارة في نجاح الشركات أو انهيارها ولنا في قصص تدهور أو انهيار كثير من الشركات حول العالم خير مثال على دور الإدارة في هذا الشأن، لا من ناحية تحديد الاستراتيجيات وإعداد الخطط والتنفيذ بشكل سليم يخدم مصالح الشركة، ولا حتى في المعالجة السليمة للمشاكل، وما حدث مع شركات عظيمة مثل «أنرون» التي انهارت بسبب فساد الإدارة، أو إفلاس الشركات والمصارف المالية في أزمة الرهون العقارية مثل «ميريل لنش» و«سيتي بنك» وغيرهما بسبب جشع وتهور الإدارات، وتدهور شركة بلاك بيري بسبب محاباة الإدارة للأقارب وعدم تفعيل مبدأ الكفاءة للتوظيف والترقي في الوظائف، وإفلاس عملاق الاتصالات ورلدكوم Worldcom بسبب تلاعب الإدارة بالحسابات والتكاليف وغيرها من الأمثلة كثير. وطبعا لا تخلو سوقنا من أمثلة للإدارات السيئة أو التي أخطأت وكلفت الشركات والمساهمين ثمنا باهظا وخسائر كبيرة من جراء هذه الأخطاء. هناك عدة أسباب وراء ارتكاب هذه الإدارات الأخطاء أو هذه الممارسات، منها الطمع في الحصول على المكافآت جراء تحسن النتائج، ما يؤدى بالإدارة إلى التلاعب بالنتائج، أو ضعف كفاءة الأشخاص وقلة خبرتهم، ما يجعلهم عرضة لاتخاذ قرارات خاطئة وعدم قدرة على حل المشاكل، أو ضعف تطبيق الحوكمة داخل الشركة ما يمهد لاستغلال السلطة والفساد. إن ما يهمنا هنا هو كيفية معرفة الإدارة الجيدة؟ وما العلامات التي نستطيع من خلالها معرفة ما إذا كانت الإدارة جيدة أم لا؟ هناك علامات كمية وعلامات نوعية. العلامات الكمية تتعلق أكثر بالنتائج المالية، مثل النمو بالمبيعات وهوامش الربحية ونسب الديون، وغيرها كثير من المؤشرات التي تدل على متانة وجودة القوائم المالية، مع الانتباه لأي علامات قد تخدع غير المتخصص بواقعية وصحة هذه الأرقام، كما حدث مع بعض الشركات. وهذا بكل تأكيد ليس بالأمر السهل اكتشافه، أو حسب ما يطبقه المستثمر المعروف وارن بافيت، وهو النظر إلى القوائم المالية بنظرة المالك، من خلال تحليل نسبة صافي الأرباح إلى الأرباح المبقاة "المحتفظ بها"، حيث إن هذا التحليل يدل على مدى كفاءة الشركة في استخدام الأرباح بشكل سليم. فحسب "وارن بافيت"، لا يكفي استخدام هذه الأرباح لتمويل التشغيل الاعتيادي للشركة فقط، بل يجب النظر إليها من جهة مقدرة الشركة على توليد أرباح منها بنسبة أعلى من السابق، وهذا صعب وفيه تحد كبير للشركة. على الجانب الآخر، هناك علامات نوعية لجودة الإدارة، منها: 1 - مدة بقاء الإدارة في الشركة: عندما يحدث للشركة تغير في الإدارات في مدة بسيطة، فهذا يدل على وجود خلل ينذر بظهور مشكلة على السطح. لذلك، استقرار الإدارات مهم ويعطى طمأنينة على وضع الشركة وعلى وضع الإدارة. 2 - وجود استراتيجيات وأهداف واضحة: لا توجد إدارة ناجحة دون استراتيجية تعمل عليها. لذلك، من المهم قراءة الأهداف والاستراتيجيات ورسالة الشركة وتحليلها ومدى تطبيقها، وبالتالي الحكم على توجه إدارة الشركة نحو المستقبل. 3 - تملك أعضاء من الإدارة في الشركة: إن تملك أعضاء وموظفين من الإدارة التنفيذية في الشركة لأسهم فيها، يعطى دلالة جيدة عن ثقة الموظفين "الذين يمتلكون معلومات داخلية عن الشركة أكثر من المساهمين" بشركتهم، لكن في الوقت نفسه يجب الانتباه ألا يكون التملك وقتيا أو لفترة قصيرة، فقد يكون لاستغلال إعلان له تأثير سريع دون قيمة للشركة للمدى الطويل. لذلك، كلما طالت مدة تملك الموظفين الأسهم، أعطى مصداقية أكبر للإدارة وللشركة. 4 - حجم المكافآت السنوية: من الطبيعي أن تكافأ الإدارة على الأداء الجيد، وهو تحقيق زيادة في قيمة حقوق الملاك، لكن حجم ونسبة المكافآت هو الأهم، فلا يقبل أن تكون المكافآت والشركة تعاني أو على حساب تعظيم مصلحة الملاك. لذلك، وجود سلوك لدى الإدارة بأخذ مكافآت أعلى من القطاع الذي تعمل فيه دون تحقيق نمو أكبر للملاك، سيعطى إشارة إلى تغليب الإدارة مصلحتها على مصلحة الملاك، فكلما كانت المكافآت معقولة ومتوازنة، دلت على توازن الإدارة وحرصها على الشركة. 5 - ارتفاع المصروفات الإدارية: يجب مراقبة المصروفات الإدارية والعمومية. فإذا كانت أعلى من القطاع الذي تعمل فيه "وتقاس بشكل عام ومختصر بنسبتها من المبيعات"، فهذا يدل على وجود خلل وإهدار لأموال المساهمين، وكلما انخفضت هذه المصروفات، دلت على حرص الإدارة على أموال المساهمين. لعلي هنا أستشهد بقصة أحد أعظم مديري الصناديق في العالم "بيتر لينش"، عندما قرر تحليل إحدى الشركات، وحدد موعدا مع الإدارة لزيارتهم في مقرهم "وهو إجراء كثيرا ما كان يتبعه، فحسب رأيه أن الجلوس مع الإدارة وجها لوجه يكشف كثيرا من الأسرار". وعندما وصل لمقر الشركة فوجئ من البذخ في المكاتب والمبنى بشكل لا يتناسب مع نشاط الشركة ولا القطاع الذي تعمل فيه. عندها قرر بشكل مباشر صرف النظر عن الاستثمار في هذه الشركة، بسبب ملاحظة التبذير الذي لا معنى له، وهو يدل على إهدار أموال الشركة على شكليات ورفاهية للإدارة كان بالإمكان استغلاها بشكل أفضل. بشكل عام، كانت هذه بعض الدلالات التي يمكن للمستثمر الانتباه لها، مع العلم أن هناك كثيرا غيرها، خصوصا ما يخص المؤشرات المالية التي لم أتطرق إليها بالتفصيل لعدم مناسبة المقال لها، لكن أتمنى أن تكون هذه معلومات تساعد ولو بشكل بسيط المستثمرين، خصوصا أننا نلاحظ حراكا في سوق الأسهم، وسيزيد بشكل كبير هذه السنة والسنوات المقبلة، وقد يتغير كثير من الإدارات الحالية ما يستوجب الانتباه ومراقبة الأداء للداخلين الجدد.
إنشرها