الذهب الأزرق

|

لم نعد نسمع مصطلح "الذهب الأسود" كما كنا نسمعه في السابق. لا أعلم إن كان رواجه في التسعينيات وما قبلها، مجرد مصادفة وقتية أم أن النفط فعلا وصل إلى القمة، والآن في طريق النزول كما يدعي بعضهم. ولكن "الذهب الأزرق" كان ولا يزال دوما رهاننا الأكبر. الماء، وليس النفط، هو ما سنراهن عليه. صحيح استخدمنا النفط، وما زلنا نستخدمه للحصول على الماء وغيره من الحاجات الأساسية، ولكن الرهان سيستمر حول الماء، وبشكل أكبر من المعتاد في السنوات القادمة. ما أتحدث عنه هنا لا يقتصر على استخدام الماء كضرورة من ضروريات الحياة، وإنما استثمار وجود الماء، وتحديدا المكونات المائية البحرية كمدخل أصيل وواعد للاستثمار والتنمية.
في السابق، كنا نتكلم عن طول شواطئنا، ولكنا كنا نتكلم فقط! اليوم، هناك فعليا عدد من الخطط المعلنة، والمشاريع القائمة، والظواهر العملية الإيجابية التي تؤكد المضي بجدية في استثمار جميع المكونات البحرية، سواء كانت واجهات وشواطئ أم ثروات وأعماق. نرى اليوم على الأقل خمسة أنشطة كبرى ستغير من طريقة تعاملنا مع ماء البحر في السنوات القليلة المقبلة. الأول، تعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية "المواد والطاقة" الموجودة في البحار، وهنا يأتي التطوير الجذري في هيكلة استثمار المنصات البحرية الضخمة "محطات التحلية" لتصبح من الأكثر كفاءة بعد أن كانت من الأضخم في العالم. الثانية، التفاعل البيئي النوعي، الذي سيضع الثروات البحرية بجميع عناصرها تحت المجهر خلال الفترة المقبلة، إن لم تكن المحاسبة البيئية قد بدأت بالفعل. الثالث، الاستزراع السمكي لتحقيق هدف غذائي استراتيجي يؤثر إيجابا باستغلال البيئة البحرية، وسلبا بالتأثير فيها إن لم تضبط ممارساته. الرابع، التوجه السياحي الذي يقوم على بناء التجمعات السياحية الكبرى، والاستفادة من الجغرافيا الطبيعية الجميلة، خصوصا لمنطقة البحر الأحمر. الخامس، التنظيم المقبل للرياضات والترفيه البحري، الذي يقوم على إعادة ترتيب كثير من الأنشطة البحرية، مثل الصيد والتنزه والملاحة الترفيهية، وربما إدخال أنشطة أخرى جديدة لم تمارس لدينا بعد.
ما يستحق التوقف في وسط هذه التغييرات، أن الأمر ليس بتلك السهولة. هناك كم هائل من التحديات المصاحبة لكل نشاط من الأنشطة المذكورة أعلاه، وهناك حاليا عدد من فرق العمل على مختلف المستويات تخطط وتعمل لتجاوز هذه التحديات. إذا أردنا تقييم الوضع بشكل عام، نستطيع تقسيم التحديات إلى ثلاث مجموعات: مجموعة اقتصادية وأخرى فنية وثالثة اجتماعية. الفريق الاقتصادي، اليوم، يقوم بضبط الأمور بطريقة سريعة ومرنة بشكل غير معهود. وفي الجوانب الفنية، يقع استثمارنا المقبل، سواء بتحسين الممارسات المتخصصة، أو استيراد الكفاءات والعقول، أو توريث وتوريد لوجستيات الأعمال الفنية بشكل دائم. وفي التحديات الاجتماعية مربط الفرس، إذ تقع على تفاعل بين طرفين: المؤثر والمستفيد. تشمل فئة المؤثر، الاستراتيجي الذي يخطط لما سيحصل، والجهة التنظيمية المشرفة، والمتعاقدين والمنفذين. بينما يعد المستفيد مستجيبا متأثرا تتحسن استجابته بتحسن تفاعل الطرف الأول "المؤثر". وكمثال على هذه العلاقة، لن تنجح دعوة المستثمرين للاستزراع السمكي إلا إذا منحت لهم الثقة، وأكد لهم الدعم، ثم بينت لهم كفاءة واستقرار الجوانب الاقتصادية والفنية. ولن تصبح الاشتراطات البيئية فاعلة وتلقى القبول من المتنزهين، إلا برفع الوعي بشكل عام ووضع حلول وبدائل مقنعة ومغرية. أي محاولة للضبط البيئي دون بدائل بيئية هي عملية تضييق في الواقع وتعبئة للمستندات لا أكثر. لن تحصل في نهاية اليوم على التنفيذ الصادق، وستكون النتيجة معاكسة بطريقة أو بأخرى.
يستخدم مصطلح "الذهب الأزرق" للإشارة أحيانا إلى حروب المياه بين الدول. ونحن ـــ بإذن الله ــــ في منأى عن حروب الماء، إذ إننا لا نتنافس مع أي أحد بشكل مباشر على الماء العذب. ولكننا، في تنافس مع أنفسنا في حسن التفاعل مع البحر ومكوناته. في السابق، كانت الحياة ممكنة بعيدا عن تأثير البحر والحاجة إليه، إذ كان بالإمكان الاكتفاء بمياه الأرض أو مما يتجمع من مياه السماء. ولكن، اليوم اختلف الوضع تماما، فمعظم سكان الصحراء يبدأون يومهم وينهونه باستخدام ماء البحر المحلى. تحقيق "الرؤية" وما يتبعها من خطط بحرية أو كل ما له علاقة بالذهب الأزرق، لن يكون بتدشين المشاريع أو تحديد مؤشرات الأداء فقط، بل يجب أن يستوعب الجميع، من مسؤولين ومواطنين، أهمية هذا الكنز العظيم، وأن يتم التعامل مع كل نشاط جديد بحوافزه وضوابطه بشكل عادل، حتى ننجح في الانتقال إلى المرحلة الجديدة بمكتسبات يشاد بها، وبمستقبل نراه لنا ولأبنائنا من بعدنا.

إنشرها