المشراق

سعد العفنان .. الإنسان العصامي والكاتب غير المتخصص

تركت رسالتي للماجستير جانبا، تشبثت بذاك الكتاب من أول نظرة على أولى صفحاته، وما انفكت يداي عنه حتى انتهيت من قراءته. أمسكت به لأخرج معلومة تخص رسالتي، وها أنا ذا أخرج منه ما يجود به قلمي وفكري؛ لأسطر للتاريخ شطرا من حياة المؤرخ الراحل سعد العفنان.
شدتني تلك العبارة التي نعت بها سعد نفسه في كتابه: "حياتي وثقافتي"، حيث قال: "وكان العنصر الوحيد الذي يستحق الرصد والتسجيل في حياتي هو أني نشأت قرويا وعاملا كادحا ومع ذلك تمكنت من تثقيف نفسي ذاتيا" إلى أن قال: "حتى صرت مؤلفا موسوعيا أختار موضوعاتي بمحض إرادتي ووفق ما يمليه علي وجداني ولا يفرضه علي أحد، وحتى بلغت إصداراتي أكثر من خمسين كتابا"، فمن هو سعد العفنان معلم نفسه ومثقفها؟
هو خلف بن سعد العفنان، ولد في عام 1358هـ في قرية النعي في منطقة حائل، ونشأ في قرية السبعان في المنطقة ذاتها، أمه عذيبة بنت ضحوي بن هادي بن دهمي، وكانت أسرته منذ ما يزيد عن 100 عام ووفقا للموارد الاقتصادية المتاحة آنذاك تمتهن الزراعة وتمتعت بيسر الحال إلى حد كبير، وكان أخو جده لأبيه أمير قرية السبعان. تأثر سعد بوالديه أشد تأثير، فوالده الشجاع المحارب والحازم، ووالدته الرؤوم ذات الخيال الخصب، إذ كانت تطرب ابنها بألحان القصص، وتصور له من خلالها المشاهد، وبعد أن شب سعد تذكر تأثير أمه، وقال: "وعندما كبرت وتوسعت مداركي وصرت أستوعب ما يسمى عملية الاستقراء والتحليل تذكرت ما كان لأمي من دور في تركيب شخصيتي".
غالب سعد الصعاب في متاهات الحياة، فبات يقارع مفاجآتها في مسيرته العملية والثقافية، لم يعلم ذلك الفتى أن طموحاته وأحلامه كانت أصغر من الواقع المرير، فعندما التحق بالكتاب في قرية السبعان، وكان القائم على أمره يدعى عثمان بن سالم الرزيني، ولم ينل الكتاب وطريقة التدريس فيه من ملل سعد وعدم حبه للرتابة، فصار يدرس بشكل متقطع وتعلم الحروف الهجائية وبعض سور القرآن الكريم وأحكام التجويد.
وفي مجالس الرجال تأثر سعد بمديحهم للفتيان اليافعين الذين تغربوا عن أهاليهم للعمل وأفادوهم ماديا، فأراد سعد نيل المديح وأصر على أبويه بالذهاب إلى الرياض، وكان في 13 من عمره، ولم تثن شفقتهما إصراره؛ لذا رافقه والده في رحلته الأولى إلى الرياض عام 1371هـ، فتسنى لسعد ركوب السيارة للمرة الأولى، وبعد وصوله رأى مطار الرياض، ورأى قصر الملك عبد العزيز في حي المربع. فكر والد سعد أن يقنع ابنه بالعودة إلى حائل بحيلة تثبت عجزه عن العمل لصغر سنه، وبعد أن أشركه والده في إعادة بناء مسجد الإمام تركي في الرياض ظهر عجز سعد ولم يختف إصراره على البقاء أمام ذلك بحث له والده عن عمل آخر، فأصبح مساعدا لأحد تجار الرياض في دكانه. وبعد قرابة الثلاثة أشهر اقترح أحد أقارب سعد عليه الالتحاق بالجيش العربي السعودي في منطقة الخرج، وبالفعل تقدم سعد ولم يقبل لصغر سنه، وبقي سعد في الخرج وعمل في أعمال متعددة بشكل متقطع في أماكن متفرقة وهي: مصانع السلاح، محطة السكة الحديدية، مشروع الخرج الزراعي، وأخيرا التحق بالجيش في منطقة الخرج العسكرية، وقام كاتب السرية ويدعى الحميدي من أهالي القصيم بتعليم سعد القراءة والكتابة حتى يحل محله ويرتقي إلى رتبة أعلى، وكان ذلك بأمر وترغيب من قائد السرية عبد الله الحمدان؛ إذ تطلع إلى ما وراء حديث سعد وشخصيته التي تنم عن ذكاء جم وفكر متقد لا بد من أن يتوج بالتعليم، وكانت النتيجة أن تمكن سعد من التعلم، وأصبح قادرا على إعداد النموذج الخاص بتشكيل السرية، وإلى جانب ذلك كان سعد يقوم بالتدريبات العسكرية الخالية من الأسلحة، وبعد إقرار التدريب على حمل الأسلحة خلال التدريبات العسكرية لم تتحمل بنية سعد الجسمانية الأمر، وتمت إقالته من الجيش؛ لأنه غير لائق طبيا.
وفي عام 1373هـ عاد سعد إلى قريته السبعان وانطلق منها مرة أخرى إلى الظهران على أمل العمل في شركة أرامكو وتحقق أمله واستمر في العمل قرابة العام ونصف العام، ثم التحق بمركز تأهيل مهني في الظهران وتشرف عليه شركة أرامكو، فتأهل نجارا معماريا، بعد ذلك زاول النجارة في الظهران والرياض بشكل متقطع، ثم التحق بوزارة الزراعة في الرياض، وعمل بعد التدريب سائق حراثة زراعية، وكان ممن يشرف على تدربيه المهندس عبد الله بن ناصر بن عودان من أهل عودة توسم في سعد النبوغ والموهبة والإبداع، فسأله عن مستوى تعليمه واقترح عليه الالتحاق بالدراسة الليلية، وبناء على خبرته حدد مستواه بالصف الخامس الابتدائي، كما تعهد المهندس لسعد بتدريسه نصف ساعة يوميا بعد نهاية العمل، وشكره سعد على تعاونه، ورفض في الوقت ذاته أن يكلفه عناء التدريس، وطلب منه أن يكون مقر عمله في حائل بعد أن ينهي التدريب، وقد أقسم له بأنه سيلتحق بالمدرسة الليلية بمجرد استقراره في حائل، فأجاب المهندس طلبه، وبعد أن وصل سعد إلى حائل التحق بأول مدرسة نظامية افتتحت في إقليم نجد عامة ومنطقة حائل خاصة وهي المدرسة السعودية الأولى بحائل، وبعد أن قابل سعد مديرها: صالح البكر، كتب في اليوم التالي رسالة للمهندس عبد الله يبشره بقبوله في الصف السادس بناء على مقابلة مدير المدرسة له، وبعد شهرين تلاشت البشارة؛ إذ انتدب سعد خارج حائل وتغيب عن الدراسة مدة شهرين متعاقبين، وبعد عودته لم يمانع مدير المدرسة البكر من عودته، فلما علم مديره في العمل حكم عليه بالفصل بتهمة الدراسة.
وفي مطلع عام 1380هـ ارتحل سعد إلى الكويت بحثا عن عمل آخر، وانطلق منها إلى الخفجي حيث أصبح عاملا بسيطا في الشركة اليابانية المشرفة على مشروعين لبناء ميناء وتعبيد الطرق التي تربط الخفجي بالكويت وبالمنطقة المحايدة، ورغم وجه العمل العابس والشاق إلا أن سعد أخذ يلوح أمامه بروحه المرحة عله يبتسم يوما. وخلال عمل سعد استطاع أن يدخر مبلغا من المال وأضاف عليه قرضا حسنا اقترضه من أصدقائه، وتمكن من افتتاح أول دكان في الخفجي، وبعد عام حاول نقل نشاطه التجاري إلى الكويت عله يتمكن من الدراسة فيها ليلا ولكنه فشل في مساعيه التجارية، فعاد إلى الرياض خالي الجيب تقريبا صفر اليدين إلا من بضع مئات من الكتب. وفي عام 1383هـ عاد سعد إلى الكويت وتوجه إلى أحد تجارها وكان له سابق معرفة به، وطلب منه أن يعمل لديه في شركته، فعمل سعد محصلا في قسم التحصيل براتب خمسين دينارا كويتيا وهو ما يفي بحاجته، وكانت مهام العمل بسيطة جدا ومحدودة الوقت وفي متسعه كان سعد يحمل كتابا لقراءته أينما ذهب وحيثما حل. اكتسب سعد من خلال عمله المتواضع علاقات اجتماعية، وصقلت مهاراته حتى تمكن من مناقشة كبار المسؤولين في الشركات الكويتية حول أمور الثقافة والسياسة، فبدد ما علق في نفسه من هشيم حاجز الهيبة والخجل الاجتماعي. خلال عمل سعد في الكويت وبين قراءاته المكثفة فشل في مقاومة حلمه المتغلغل في وجدانه وعقله وهو أن يكون مؤلفا. أدرك أن هناك من هم أعلى منه في الحصيلة الثقافية نوعا وكما، فعمق قراءاته وكثفها حتى تكون لديه رصيد كاف، كما أدرك أن هناك الكثير من الصعوبات التي تعرض لها العديد من الكتاب، فقرر أن تكون له شخصيته الثقافية المستقلة وعليه ابتعد عن السياسة واحتراف الأدب والإعلام، وبذلك تحددت الرؤية الثقافية لسعد أثناء عمله المتواضع في الكويت ومنه خرجت عظائم الطموحات والتصورات. وفي عام 1383هـ عاد سعد إلى الرياض وعمل معقبا لدى أحد رجال الأعمال، ثم تقدم للعمل في مهنة النجارة بإحدى الشركات الأجنبية التي كانت تنفذ مباني إذاعة الرياض، وسجل سعد في إحدى مدارس الرياض الابتدائية الليلية وحصل على الشهادة الابتدائية في العام الدراسي 1385-1386هـ. بعد ذلك التقى سعد مصادفة رجل الأعمال الذي كان يعمل لديه، وقدم له راتبا أعلى وسكنا وسيارة ومأكلا مقابل إدارته لمشروع بناء مستشفى في جازان، فارتحل سعد من جديد إلى عمل جديد. وفي عام 1394هـ خاض سعد تجربة المتاجرة في العقارات وجنى أرباحا طائلة، فتزوج وعمر بيتين، وامتلك سيارة، ونقل نشاطه التجاري العقاري المتقدم إلى حائل الذي ما لبث أن تراجع حد الانهيار واتجه سعد بعد ذلك إلى العمل في الزراعة، فأقام مزرعة حديثة في حائل مستثمرا السيولة المادية المتبقية من عمله السابق، وعندما أوشكت على النفاد باع بيته الأول، وكان قد اقترض مسبقا في محاولة لتوفير سيولة مادية لسد متطلبات المزرعة، كما أن أسعار المزارع انحدرت، وتصاعدت الديون على كاهل سعد إلا أنه وبمعية الله استطاع تدبر أمره. الآن عودة إلى حلم سعد أن يكون مؤلفا كانت باكورة التحقيق أن يكون كاتبا لمقال نشر في مجلة "تجارة حائل" عن إحدى تجاربه الزراعية وكان ذلك عام 1404هـ، وكانت الثمرة الثانية بحثا ميدانيا عن النخيل قدمه سعد عندما انتدبه أمير حائل مقرن بن عبد العزيز آل سعود؛ لحضور الندوة العالمية الثانية للنخيل في جامعة الملك فيصل بالأحساء ممثلا لمزارعي منطقة حائل، وكان ذلك في عام 1406هـ، وفي العام نفسه كتب سعد سلسلة مقالات شهرية بعنوان: "التقويم الزراعي لمنطقة حائل"، وعليه ارتقى حماس سعد الكتابي حد التأليف، فطبع أول كتابين على نفقته الخاصة، ووزعهما بشكل مجاني تقريبا، وحول ذلك قال: "والإيجابية التي حصلت عليها هي أني تأكدت من قدرتي على التأليف وصرت قريبا من بلوغ حلمي أن أكون مؤلفا". أصيب سعد بعد ذلك بعارض صحي حفزه على خوض التجربة الأدبية، فحاول تأليف ملحمة شعرية، ولكن قدر لها الموت في مهدها، ثم توالت مؤلفات سعد التي كانت في أغلبها تعنى بتاريخ منطقة حائل، ووثق من خلالها سيرا لأبرز أعلام المنطقة في عصر الدولة السعودية الثانية، وإمارة آل رشيد، إلى جانب الدولة السعودية المعاصرة. وهنا أجد مناسبة لدعوة المؤرخين إلى دراسة منهجية سعد العفنان في كتابة التاريخ وإسهاماته العلمية.
حقق سعد حلمه وأصبح المؤلف الذي يشار له بالبنان، وقدمت له العديد من التقريظات، ووجهت له العديد من الإشادات من الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، ومن كثير من النقاد والكتاب والقراء من مختلف مناطق المملكة، وبعضها جاء في خطابات شخصية، وبعضها جاء في مقالات صحافية، وبعضها في مقدمات مؤلفات سعد الذي ترك مكتبة خاصة عامرة بالكتب، وصوَّر في عبارته جهده في بنائها وشغفه بها فقال: "بنيت غرفة في فناء بيتي، ووضعت فيها رفوفا صنعتها بيدي وأخذت أنظم فيها كتبي مركزا على الموضوعات التي كنت أفكر في البحث فيها". وهنا دعوة أخرى إلى النادي الأدبي الثقافي في حائل للاحتفاظ بإرث سعد الثقافي الذي تركه من خلال ضم مكتبته الخاصة إلى مكتبة النادي؛ لتكون عامة المنفعة، ولما فيه من التقدير لجهود ابن حائل الراحل.
وأخيرا رحل سعد العفنان إثر إصابته بمرض السرطان في اليوم الحادي عشر من ذي القعدة عام 1433هـ، رحل العصامي بعدما حقق حلمه في التأليف، فترك ما يربو على 50 مؤلفا كتبها خلال ثلاثة عقود تقريبا، لم يعرف الانهزام لليأس، أصر على النجاح رغم أن سعيه لنيل الشهادة الابتدائية نال ثماني سنوات من عمره وعمر أحلامه وطموحاته، ولكنه في مبلغ الأمر وصل بعد أن هيأ الله له المهندس بن عودان ليهديه إلى حلمه، فكان ذلك المهندس باعث طموح وصانع نجاح، فكم نحن بحاجة إلى أمثاله! وما أجمل أن تفعل تلك الحاجة من خلالنا فنشعل قناديل النجاح المنطفئة ونزيد من توهج أضواء النجاح الخافتة.
عند قراءة السير الغيرية للمؤرخين والناجحين عموما نستلذ بتلك النجاحات العلمية والعملية بعد أن ذاق أصحابها علقم التحديات والآلام، وفي ذلك تقول المرام: "بقدر السعادة التي توجد في نفوسنا عندما نقف على قصص الكفاح لن نشعر بألم أبطالها إلا عندما نرى جزءا من حياتنا في قصصهم".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق