التعليم عبر الزمن .. ومهارات نحتاج إليها في هذا العصر

|

التعليم بجميع مراحله هو ارتقاء بإمكانات الإنسان، وهو أيضا ارتقاء بشخصه؛ فهو مفيد له في عمله على كسب رزقه وتفعيل دوره المهني في الحياة، ومفيد له أيضا في التعامل مع الآخرين وتعزيز دوره الاجتماعي فيها. وهو بذلك مفيد للمجتمع اقتصاديا واجتماعيا، ناهيك عن متعة المعرفة التي تتوافق إنسانيا مع عقل الإنسان الباحث عنها والمتطلع إلى مزيد منها؛ وناهيك أيضا، قبل ذلك وبعده، عن حقيقة أن المعرفة هي طريق الحكمة وأن "من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا". ولا شك أن نجاح التعليم متطلب مهم من متطلبات نجاح الأمة، خصوصا في عصر المعرفة الذي نعيش فيه.
يقول تاريخ العالم، طبقا لما أوردته الموسوعة الأكاديمية الأمريكية، إن التعليم المنتظم بدأ في الألفية الثالثة قبل الميلاد في حضارات السومريين وحضارات المصريين القدماء، وأن ذلك التعليم كان يركز على: "القراءة والكتابة والحساب، وعلى موضوعات الفلك والبناء والحكم". ويقول هذا التاريخ أيضا، إن الحضارات القديمة في الصين والهند اهتمت أيضا بالتعليم ابتداء من الألفية الأولى قبل الميلاد. ثم شهدت بلاد الإغريق، بعد ذلك، قفزة تعليمية في الفترة (300 - 500) قبل الميلاد حيث بدأ الاهتمام "بالبحث العلمي وطرح التساؤلات ووضع أصول المنطق" على أيدي كل من سقراط وأفلاطون وأرسطو، واستمر الأمر كذلك بإيقاع أقل تسارعا في دولة روما القديمة.
في القرون الأولى بعد الميلاد، انطلق تعليم ما يعرف "بالفنون السبعة" في الدولة الرومانية الشرقية. وهذه الفنون هي "قواعد اللغة، والمنطق، والخطابة، والحساب، والفلك، والهندسة، والفنون وعلى رأسها الفنون المعمارية". وجاء التعليم الكنسي بعد ذلك ليضيف "علوم الدين والسياسة والاقتصاد" إلى الفنون السبعة، إضافة إلى "الطب" كموضوع منفصل بذاته. ثم بدأت الجامعات الأوروبية "بجامعة بولونيا" الإيطالية في مطلع الألفية الثانية للميلاد، وانتشرت بعدها الجامعات في فرنسا وبريطانيا، ثم أمريكا اللاتينية، وبالذات المكسيك وكولومبيا، قبل ظهور جامعة هارفارد الشهيرة في الولايات المتحدة في القرن الـ 17 للميلاد.
في موازاة ما سبق، اهتمت الدولة الإسلامية بعد القرن السابع للميلاد بتعليم القراءة والكتابة، والترجمة من وإلى العربية، والهندسة، والرياضيات، والعمارة، والفلك، والطب، والجغرافيا؛ إلى جانب تركيزها على العلوم الدينية؛ كما اهتمت بالحوار والنقاش والتطوير الاجتماعي وإجراء البحوث. وكانت هناك مدارس في هذه المجالات في كل من بغداد، ودمشق، والقاهرة والإسكندرية، وقرطبة. وبرزت في تلك الفترة أسماء كبيرة مثل: الخوارزمي في الرياضيات، في القرن التاسع للميلاد؛ والرازي وابن سينا في الطب، في القرن العاشر؛ وغيرهم كثيرون.
وبالنظر إلى ما سبق، نجد أن التعليم عبر التاريخ لم يكن حكرا على أمة من الأمم، وأن المعرفة لم تكن ملكا لأحد، وأن الإنسان في كل مكان اهتم بالمعرفة بفطرته الإنسانية التي أرادها الله له. وعلى هذا الأساس، فإن على الأمم الناهضة، وعلى الإنسان أينما كان السعي إلى تعليم جيد لا يقتصر على التلقين، بل يهتم بالتفكير والتميز وتفعيل التواصل المعرفي والتعاون المتوازن، والاستفادة من ذلك في بناء حياة أفضل، ليس اقتصاديا فقط، بل اجتماعيا وإنسانيا أيضا، وليس على المستوى المحلي فقط، بل على مدى العالم بأسره.
هناك عدد من المهارات التي تستحق الاهتمام في تطوير التعليم، بما يتلاءم مع متطلبات العصر الذي نعيش فيه، وما يشهده من تقدم معرفي وتقني غير مسبوق. ولعلنا في طرح مثل هذه المهارات نعود إلى ما طرحته سو بيرز Sue Beers إحدى أبرز عضوات مجموعة إرشاد وتطوير المناهج ASCD، في مقال لها حول المهارات المطلوبة في إعداد الطلاب للقرن الـ 21. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المجموعة هي مجموعة مستقلة على مستوى العالم منذ عام 1972، ولديها ما يزيد على 100 ألف عضو ينتمون إلى 128 دولة ويسعون إلى تطوير مناهج التعليم نحو الأفضل.
أوردت سو بيرز ثماني مهارات للقرن الـ 21، ودعت إلى تأهيل الطلاب بها في مواجهة المستقبل. تتصف المهارات الأربع الأولى بأنها مهارات عامة. أولى هذه المهارات هي الإبداع والابتكار وتفعيل التفكير نحو إيجاد منتجات وخدمات جديدة. وترتبط المهارة الثانية بالتفكير أيضا وتدعو إلى التفكير النقدي وإيجاد الحلول للمشكلات التي يتم طرحها. وتهتم المهارة الثالثة بالتواصل مع الآخرين؛ وتأتي المهارة الرابعة لتعزز ذلك وتدعو إلى التعاون والعمل من خلال مجموعات وفرق تهتم بالشراكة المعرفية والأداء المتميز؛ خصوصا أن ذلك ينعكس إيجابيا على مهارتي: الإبداع والابتكار، وإيجاد الحلول للمشكلات المطروحة.
وتهتم المهارتان التاليتان الخامسة والسادسة بالمتطلبات المعلوماتية للعصر. فالمهارة الخامسة تدعو إلى ضرورة إتقان إدارة المعلومات؛ والمهارة السادسة تركز على استخدام تقنيات المعلومات بكفاءة وفاعلية وروح أخلاقية عالية تمنع استغلالها لأذى الآخرين. وتقترب المهارتان الأخيرتان السابعة والثامنة من شخصية الإنسان في الحياة. فالمهارة السابعة ترتبط بتطوير قدرته على توجيه ذاته والتعلم ذاتيا؛ والمهارة الثامنة تتعلق بتنمية وعيه الثقافي وتعزيز قدرته على قبول الآخر والتعامل مع أبناء الثقافات الأخرى.
هناك إضافة إلى ما سبق مهارات أخرى يدعو إليها آخرون مثل مهارة الذكاء العاطفي التي تضبط سلوك الإنسان من خلال إشارات المشاعر التي يتلقاها من ذاته ومن الآخرين؛ ومهارة ريادة الأعمال التي تفعل قدرة الإنسان على تشغيل ذاته وآخرين معه في أعمال مفيدة ومجزية، بدلا من الاعتماد على البحث عن وظيفة لدى آخرين. ثم هناك أيضا مهارات قديمة اهتمت بها مناهج التعليم بها عبر الزمن، لكن اكتسابها بالشكل المأمول لا يزال غير مرض في كثير من الأحيان؛ وعلى رأس مثل هذه المهارات القدرة على الكتابة والتعبير بشكل يناسب الأعمال المهنية المختلفة.
نحن أمام عصر فيه كثير من المتغيرات في شتى مناحي الحياة؛ وقدرات الإنسان هي المعيار في التعامل معها والاستجابة لتحدياتها؛ والمنافسة في هذا الشأن منافسة على مستوى العالم بأسره. ولا شك أن التعليم المتطور الناجح، الشامل للمهارات المتجددة التي يحتاج إليها العصر، هو الوسيلة المطلوبة لإعداد الإنسان المؤهل والقادر على التفاعل مع تحديات المتغيرات، والسعي إلى الريادة في توجيهها.

إنشرها