المشراق

التوكيل وإقرار التمثيل في الدبلوماسية السعودية

كان منتصف الأسبوع المنصرم ملاذا لتلك التساؤلات التي طرأت بين ثنايا بحث ما؛ علها تجد في أحد أيامه إجابات وافية، فاتجهت بها في يوم الثلاثاء إلى ثلة من مؤرخي المستقبل، وألقيت بها بينهم، فتباحثوا أمرها وأدلى كل منهم بدلوه، بيد أنهم لم يجيبوا عليها بشكل دقيق، فعدت أحملها بين أروقة فكري التي أخذت تنتشي عبق المعلومات من كتبي وفي مكتبتي.
كان سؤالي للثلة التاريخية كمسألة رياضية تفرع عنها مجموعة من المسائل يجوز حلها بأكثر من طريقة وهو: "يعد منصب الوكيل السياسي من المناصب السياسية المهمة في عهد الملك عبدالعزيز، متى استبدل؟ وهل استبدل بمنصب السفير؟ ومن هو أول سفير سعودي لقب بذلك؟ صارت مجموعة من الأسئلة".
اتجهت إلى الكتب لحل المسألة التاريخية، فغدوت أتأمل السياسة الخارجية في عهد الملك عبدالعزيز لتمييز ملامحها ورسمها، فوجدت ما هو أسبق من التوكيل، ووجدت مرحلة فاصلة، تبعتها مرحلة التمثيل الدبلوماسي، ثم تساءلت للوهلة الأولى، كيف كانت الحال السياسية الخارجية في عهد الملك عبدالعزيز؟
كان الملك عبدالعزيز في البداية يمثل كيانه السياسي خارجيا لا سيما في علاقته مع الدولة العثمانية وبريطانيا التي تأثرت بالحرب العالمية الأولى، فصار بمنزلة وزير الخارجية الذي يقوم بعقد المعاهدات وبخاتمه تمهر جميع المعاهدات والبروتوكولات الرسمية، وهو القائد العام والمفاوض يعاونه مجموعة من المستشارين ممن كانوا على قدر كبير من الخبرة والدراية، فكانوا أعوانا للملك في استقبال مبعوثي وفود الدول. اتخذ الملك عبدالعزيز ما يشبه التمثيل الدبلوماسي وكان بشكل مؤقت بإرسال شخص ما في مهمة ترتبط بالشؤون السياسية الخارجية كتوقيع الاتفاقيات الثنائية وكان الملك يعتمد على بعض أقاربه كالأمير أحمد بن ثنيان آل سعود إلى جانب بعض مستشاريه للاتصال بالدول خارجيا؛ لانشغاله في الأمور الداخلية، كما اعتمد على الوكلاء السياسيين والتجاريين وتزامن وجودهم مع تأسيس المملكة حين لم تنشأ المؤسسات السياسية، ولم تتخذ المملكة لها سفارات في الخارج بعد، وكان بعض التجار النجديين المستقرين في بعض الدول يعملون بصفتهم وكلاء للملك الذي حرص على اختيار من يشتهر بالنزاهة الأخلاقية لا سيما ما يتعلق بالصدق والأمانة، وكان من يقع عليه الاختيار لا يتمتع بمكاسب مادية ولكنه يحظى بمكاسب معنوية تمثلت في الرفعة الاجتماعية والمزايا في التعاملات التجارية، وكان الوكلاء يقومون بدور السفراء والقناصل لتسهيل الأمور الخارجية، ومن أشهر الوكلاء: عبداللطيف باشا المنديل في البصرة وبغداد والكويت أحيانا، وعبدالله النفيسي في الكويت، وعبدالله الفوزان في بومبي، وابن ليلى في دمشق، وعبدالرحمن القصيبي في البحرين. وتتشابه سياسة الملك عبدالعزيز مع ما قامت به الحكومة البريطانية في تعيين وكلاء تجاريين وسياسيين في مناطق الخليج العربي وغيرها من المناطق.
وإلى جانب الوكلاء قام الملك عبدالعزيز بإرسال البعثات أو الوفود كالبعثة المرسلة إلى الدولة العثمانية برئاسة صالح العذل الذي منحته الدولة العثمانية لقب الباشا تقديرا لجهوده بعد موقعة الشنانة 1322هـ/ 1904. وكل ما سبق يمثل مرحلة ما قبل تنظيم العمل الدبلوماسي السعودي.
أما مرحلة تنظيم العمل الدبلوماسي السعودي فكانت بعد ضم الحجاز حيث تأسست مديرية الشؤون الخارجية عام 1344هـ/ 1925؛ إذ أصبح ضم الحجاز متغيرا سياسيا ذا أبعاد اقتصادية ودينية، تمثلت في رعاية الملك عبدالعزيز للأماكن المقدسة، فترتب على ذلك تمدد في العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية، وبداية لعلاقات دبلوماسية جديدة، وقامت المديرية بإبرام المعاهدات الدولية، وأشرفت على الرحلات الملكية للملك عبدالعزيز، وقامت باستقبال الوفود الدولية القادمة إلى المملكة، وحرص الملك عبدالعزيز على اعتراف الدول الأوروبية ببلاده على أنها كيان سياسي مستقل، وكان يرمي إلى إيجاد التوازن بين تلك الدول من خلال استغلال أهدافها ومصالحها المتضاربة وفق المستطاع.
ونظرا لتوسع العلاقات الخارجية السعودية حولت المديرية بأمر ملكي إلى وزارة للخارجية عام 1349هـ/ 1930 عين الأمير فيصل بن عبدالعزيز وزيرا لها، وقامت سياسة المملكة الخارجية على إقامة علاقات صداقة وحسن جوار، والعمل على تحقيق السلام، والوقوف على الحياد في الصراع بين طرفين مرتبطين بالمملكة.
وكان من الآثار الإيجابية لإنشاء الوزارة أن أصبح التمثيل الدبلوماسي بشقيه الإيجابي والسلبي أكثر تنظيما وفق أسس قانونية جديدة معترف بها، فكانت هناك بعثات دبلوماسية لعديد من الدول الأجنبية في جدة، وفي المقابل كان للملك عبدالعزيز بعثات مماثلة في معظم تلك البلدان الأجنبية، فافتتحت قنصليات ومفوضيات رفع بعضها لاحقا إلى سفارات، فظهرت في عهد الملك عبدالعزيز إلى 16 سفارة وثماني مفوضيات، وست قنصليات، ورفعت بعض المفوضيات إلى سفارات بعد وفاة الملك عبدالعزيز.
وكان أول تمثيل دبلوماسي للملك عبدالعزيز في الخارج مع مصر فيما عرف بـ"وكالة جلالته في مصر" أو "معتمدية جلالته"، وعين فوزان السابق وكيلا معتمدا في 1345هـ/ 1926، ولم يحظَ السابق بالاعتراف حينها لتأزم العلاقة بين الطرفين بسبب قضية المحمل المصري، وبعد استقرار العلاقات رفع التمثيل الدبلوماسي من وكالة إلى مفوضية يرأسها قائم بالأعمال وقنصل عام هو عينه فوزان السابق. ومن الجدير بالملاحظة أن هناك اختلافا بين الوكالة كمسمى لمؤسسة دبلوماسية وبين الوكيل كمهمة سياسية وجدت قبل تنظيم العمل الدبلوماسي.
أسست وزارة الخارجية أول مفوضية في لندن عين فيها الشيخ حافظ وهبة وزيرا مفوضا ومندوبا فوق العادة 1349هـ/ 1930. وفيما يتعلق بالسفارات، فقد توسعت المملكة في تمثيلها الخارجي بعد الحرب العالمية الثانية، فرفع التمثيل الدبلوماسي الخارجي من مستوى المفوضية إلى مستوى السفارة، وكانت السفارة السعودية الأولى في لندن، وقد رفعت من مفوضية إلى سفارة عام 1367هـ/ 1948 يرأسها السفير فوق العادة والمندوب المفوض حافظ وهبة.
عدت إلى مسألتي التاريخية؛ لأجيب "ولعل القارئ الكريم يعود إليها في الأعلى": لم يستبدل الملك عبدالعزيز منصب الوكيل السياسي أو التجاري بالسفير، فلم ينسف تنظيم العمل الدبلوماسي السعودي مهمة الوكيل لا سيما التجاري فبقيت ما حيي بعض أربابها، حتى إن وكالة البحرين بقيت وكالة فخرية، ولا غرابة في ذلك حيث إن علاقة الملك عبدالعزيز بالوكلاء بدأت قبل تأسيس المملكة على أسس متينة أهمها الوفاء وحفظ المعروف.
أول سفير سعودي لقب بذلك هو حافظ وهبة، ولكن أول سفير سعودي حمل المهمة قبل ظهور اللقب هو صالح العذل، ويشبه ما ذهبت إليه ويؤكده أن أول تمثيل دبلوماسي للملك عبدالعزيز في الخارج مع مصر فيما عرف بالوكالة بينما أول سفارة سعودية كانت في لندن.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق