ثقافة وفنون

الموت .. نهاية حياة أم طريقة للوجود؟

طاردت فكرة الموت الإنسان منذ قديم الزمن، فالموت نقيض الحياة، وهتك لمظاهر الجمال فيها. أيقن الإنسان مبكرا أنه إلى زوال، وأن العدم قرين خطاه مهما شيّد من حضارة وطوّر من معارف وعلوم. وأمام هذه الفكرة؛ فكرة الموت، تشعر الذات الإنسانية أن وجودها وجود للموت، ووجود للعدم، وتشعر بأنها مفردة لأن الفرد يموت وحده، ولا يمكن لإنسان من الناس أن يحمل عن غيره عبء الموت، أو ينوب عنه فيه، ومن هنا تدرك الذات الإنسانية أنها مفردة ووحيدة أمام هذا المصير المحتوم.
إن الموت إذن، وهو نهاية حياة؛ أو تلك النهاية الحقيقية لقصة كل واحد منا. عادة ما يأتي متنكرا في ثوب نوم طويل، يخالج الفرد، ويرميه بثقل لا يطاق. فحين يحل الأجل لا العين ترى، ولا الأذن تسمع، ولا اللسان يذوق.. لا شيء من كل هذا ولا غيره، سوى ظلام شديد لا حدود له. إنها الموتة الكبرى، ما يعني إعلان نهاية سجل حافل من الانتصارات في معركة الموتة الصغرى؛ أي النوم، التي يعيش الإنسان على وقعها عند صباح كل يوم جديد.
بهذا يبقى الموت الحقيقة الوحيدة التي لا جدال فيها، كُتب على الأنفس جميعها، فكل نفس له ذائقة؛ وتحول الأمر إلى يقين بقوته وجبروته. أمام هذا اليقين بالحقيقة، لم يجد الإنسان على مدار الزمن أهمية كبيرة للتحدي ولا للمساومة. لكنه فتح الباب على مصراعيه للفلسفة، بحثا في معنى وكنه تلك الحقيقة. فالموت ليس نهاية للحياة، ليس نفيا لها، ولا يحمل الضدية في مواجهتها. لكن في المقابل، أهو امتدادا واستمرارا لها؛ وبذلك تكون ثنائية الموت/ الحياة، قطبين لا يتلاشى أحدهما بفقدان الآخر.
ظاهريا، يبدو الموت في صورته المألوفة مجرد حادثة تُغيب عنا شخصا، لكن يجعل الإنسان يعيش في قلق دائم، مترقبا المجهول الذي لا يعلمه؛ بعضنا قد يعبّر عن ذلك القلق وكثيرون لا، لكنه كائن بالقوة وإن بقي خفيّا أحيانا. وعلى الرغم من أنه في ذاته يعد واحدا من أهم الأسرار الوجودية التي واجهت الإنسان على مر العصور، فحاول فك طلاسمه ومواجهته أو تأجيله أو التحايل عليه أو حتى تجاهله إن استطاع إلى ذلك سبيلا، لكنه يبقى الحدث القادم لا مفر منه.
يُعرّف الموت في أبسط تعريفاته بأنه "التوقف الدائم للعمليات الجسمية والعقلية الخاصة بالكائن الحي". وقد عرّفته الجمعية الطبية الأمريكية بقولها، "إن الموت حالة تنطوي إما على التوقف الذي لا يمكن إصلاحه، أو التوقف الدائم، للوظائف الفسيولوجية الأساسية، وبخاصة تلك الوظائف المستقلة الخاصة بالجهاز الدوري وجهاز التنفس". غالبا ما يلعب الزمن دورا محوريا في هذا، فالزمن قرين الموت، لأنه المحرك الأول لدفع الإنسان إلى مصير الموت. لقد أراد الإنسان أن يعيش حياته متمتعا بكل قواه، لكن الزمن يتهدده حتى يصير عاجزا عن التعاطي مع الحياة.
ظلّ سؤال الموت أحد الأسئلة التي وإن استعصت على الجواب أو الحل، محفزا على الدوام من أجل البحث والتفكير والتنقيب، ومع تطور الفكر "الوعي" الإنساني، تبلور في صيغة "متى اكتشف الإنسان الموت؟"، سؤال إشكالي، لا يزال يتردد بين قلة من الفلاسفة والمفكرين والأدباء والفنانين والعلماء.. ممّن امتلكوا الجرأة والشجاعة والقدرة على البحث فيه، على الرغم من الغموض الذي لا يزال يكتنف مسألة الوعي به. فوِفق فولتير يبقى "الجنس البشري هو الجنس الوحيد الذي يعرف أنه سيموت، وهو يعرف ذلك من خلال التجربة".
كثرة الأقاويل في معرض تبرير اللامبالاة بالموت، فلاندسبيرج يربطه وبشكل استلزامي، بانتشار مبادئ وأفكار الفردانية، معتبرا أن "الوعي بالموت يمضي جنبا إلى جنب مع الاتجاه الإنساني نحو الفردية، ومع قيام الفردية المتميزة". فيما يعتبر جاك بوسويه أن عدم الاهتمام بدراسة الموت مرتبط بالرغبة في الفرار من الموضوع، إذ "إن اهتمام الناس بدفن أفكارهم عن الموت قد لا يقل شأنا عن اهتمامهم بدفن موتاهم، فخوف الناس من الموت هو الذي حدا بهم إلى تجاهل التفكير في الموت أو العمل على تناسيه".
تُعد النظرة إلى الموت عبر التاريخ، إحدى الصور المعبرة عن مختلف مراحل تطور الوعي الإنساني، فالعصور القديمة تنظر إلى الموت أنه شر عظيم، وكان الخوف من الموت أحد أكبر المخاوف التي حاول أبيقور أن يقهرها، معتقدا أن هذا الخوف عائد في الأساس إلى القلق من العيش حياة شقية بعد الموت. قبل أن يتحول مع أفلاطون إلى خلاص وانعتاق للنفس من الجسم. فيما اعتبر العبرانيون أن الموت حلَّ بالعالم من خلال خطأ الإنسان، وكان سببا في انقسامهم إلى مؤمن ومنكر لفكرة قيامة الأموات.
حضر الموت بقوة في الفلسفتين الحديثة والمعاصرة، لدرجة أنه صنع أحيانا مواقف فلاسفة كبار، مثلما كان عليه الحال مع الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور في كتابه "العالم كإرادة تتمثل" (1818)، الذي انعكست أفكاره بجلاء في أطروحة فرويد عن الموت الذي يبقى الهدف من الحياة؛ فبحسبه "كل شيء عضوي يعود في النهاية إلى أصله غير العضوي، وكل شيء متحرك يعود في النهاية إلى حالة السكون الأولى". كثيرا ما تحدث فرويد عن دافع الموت في صيغة الجمع "الحروب، المعارك..."، وعن دافع الحياة في صيغة المفرد "الطعام، الشراب...".
يرى مارتن هايدجر، من جهته، أن الموت طريقة للوجود، وليس طريقا مؤدية إلى نهاية الحياة. ففي دراسته عن "الشيء" كتب يقول "الفانون هم كائنات بشرية وهم فانون لأنهم يخضعون للموت... ليس لدى الحيوان تصور للموت قبل حياته أو بعدها والموت هو مقام أو مزار أو ضريح، للفناء والعدم. والموت ليس مجرد اختفاء شيء ما أو غيابه، لكنه سر يتعلق بالوجود نفسه.. إن الموت يضع حدا لوجودنا ككائنات فانية، لكنه أيضا ليس مجرد نقطة توقف لحياتنا، إن الموت أفقي الطابع أيضًا".
من المفارقات التي يقف عندها الباحث في موضوع الموت، أن قلة حضوره في دائرة الاهتمام والبحث عبر التاريخ الإنساني رافقها زخم على مستوى الأشكال الطقوسية المرافقة لواقعة الموت في كل الثقافات الإنسانية. مع ما يعني ذلك من مراسيم جنائزية وطرق دفن للموتى واحتفالات ما بعد الموت.. إلى غير ذلك مما سنعود إليه لاحقا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون