المحاسبون والماليون .. سفراء للتخصص

|

على الرغم من الاختلافات العديدة بين المحاسبة والمالية، إلا أن متخصصيها لديهم كثير من الأمور المشتركة، في التأسيس العلمي وفي الأدوات والمهارات الفنية كذلك. غير أن أحد أهم الأمور المشتركة بينهم تكمن في واجباتهم المجتمعية، وأعني تحديدا الواجبات الاجتماعية والثقافية الراهنة لمتخصصي المحاسبة والمالية. هذا يشمل بطبيعة الحال التخصصات القريبة الأخرى، كالاقتصاد، وربما تتسع الدائرة وتشمل بعض التخصصات العلمية والاجتماعية. هناك مجموعة من المفاهيم والممارسات التي تحتاج إلى الانتشار في الوقت الراهن، مثل الادخار والتخطيط المالي، وتدخل أصحاب التخصصات القريبة مطلب مهم ـــ على الرغم من أن يومياتهم المهنية قد لا تشتمل على ممارسات مباشرة لمفاهيم الادخار والتخطيط المالي ـــ إلا أنه من الممكن أن يصنع هذا التدخل نفعا شاملا وعظيما يحوز عديدا من حالات win-win التي يكسب بها جميع الأطراف.
هناك مجموعة من المنافع المشتركة والخاصة بفئات معينة تنتج من التعاون بين المتخصصين وبين بقية فئات المجتمع، سأستعرض بعضها باختصار شديد. أولا، في الوقت الحالي، هناك حاجة ماسة اقتصادية مجتمعية إلى تحول جذري في ممارسات الادخار والتخطيط المالي "وكل ما يشمل الثقافة المالية الإيجابية"، تحفزها «الرؤية» وتقودها بعض الجهات المسؤولة، ولن تكتمل إلا بتفاعل مجتمعي ينقل الخبرات ويحفز الوعي، ويعزز الممارسات الجيدة. أول طرف مؤثر في هذا التفاعل هم متخصصو المحاسبة والمالية. لماذا؟ لأنهم يمرون أثناء دراستهم بعدد جيد من المفاهيم ذات العلاقة التي تجعلهم متقدمين نسبيا على غيرهم ممن لم يدرس مثل هذه التخصصات. وهذا، بالطبع، لا يستبعد عديدا من المتميزين من أصحاب التخصصات الأخرى، فكم رأينا من المهندسين الذين يقومون بواجبات اجتماعية كبرى في التثقيف المالي، وهم ناجحون فيما يقومون به ومتقدمون على غيرهم ممن درسوا عددا غير قليل من المواد النظامية في هذا المجال.
الأخ والأخت والأب والأم ومعظم الأقارب والأصدقاء، يقدمون على اتخاذ القرارات المالية بشكل يومي، بعض هذه القرارات مصيري ومؤثر في جودة حياتهم لعدد طويل من السنوات. في معظم الحالات، لا يجد مثل هؤلاء من يساعدهم على تفكيك بعض المفاهيم المالية الأساسية، على الرغم من وجود متخصص في المنزل. من الجميل أن يكون المتخصص في المحاسبة والمالية سفيرا للثقافة المالية في محيطه، على الأقل يساعدهم على الوصول إلى مصدر المعلومة الأفضل، أو على الأقل يمكنهم من صنع القرار بوعي ومعرفة. من المعيب أن تجتمع حاجة اجتماعية وقدرة اجتماعية في دائرة واحدة ولا يتم التعاون على ربطهما ببعض.
بعضنا يبرر كسله المجتمعي بترتيب أولوياته المهنية، معتقدا أن العمل على دعم أقاربه وأصدقائه وتمكينهم من صنع القرار الجيد، أو ربما تحمل المسافة المعرفية التي بينهم وبينه يضيع وقته وجهده. هذا يعارض المسؤولية المهنية الأصيلة التي تقوم على التفاعل والتكامل المجتمعي، بل إن الانخراط في مثل هذه الأنشطة يعزز معارف المتخصص ويقوي مهاراته، ويشكل نقاط اختبار جيدة لما تم تحقيقه في السابق. لربما كان النشاط الاجتماعي المتخصص الملاذ الوحيد الذي يحافظ به الشخص على مكتسباته المهنية والمعرفية.
تشكل مفاهيم الإدارة والمالية الأساسية، التي يفترض أن يحوزها متخصصو المالية والمحاسبة، فحوى الثقافة المالية الجيدة. تشمل هذه المواضيع، الاحتياجات الإنسانية الأساسية، وأساسيات التخطيط والإدارة، وإدارة المخاطر والمجازفات، وبعض المفاهيم الاقتصادية مثل الإنتاجية والقيمة الزمنية للنقود واحتساب العوائد، وبعض التطبيقات المحاسبية، مثل الرصد والعرض. المجال مفتوح لمرونة إبداعية، ربما لا يمكن القيام بها أثناء العمل، وهذه من مميزات القيام بالمسؤوليات الاجتماعية في مجال التخصص. على سبيل المثال، قد لا يستطيع المحاسب تغيير شكل القوائم المالية في مكان عمله، ولكن لا يوجد ما يمنعه من ابتكار نموذج ذكي يمكن أن يشاركه مع الأصدقاء والأسرة لرصد مصروفاتهم وحصرها.
من المميزات الأخرى لهذا التعاون والتكامل المهم، أن الشاب المتخصص يضيف نجمة تميز في سيرته الذاتية بخدمة اجتماعية معتبرة في مجال تخصصه، ويضيء نجمة في حياة شخص بفهم جيد أو أداة مفيدة تجعله يصنع من الريـال قيمة أفضل لحياته. كل مهارة جديدة يمارسها المتخصص في هذا المجال، تدعمه في حياته المهنية "مثل مهارة التواصل مع الآخرين"، وتدعم كذلك الآخرين من حوله. أتمنى أن أشاهد مزيدا من حديثي التخرج الذين تتسع لديهم الهمم للجمع بين الدورين، الاجتماعي والمهني، بشكل متوازن وفعال. لقد رأينا عديدا من الأمثلة الناجحة لهذه التفاعلات في السابق، وهي ليست جديدة علينا، مثل تفاعل الأطباء مع التوعية الصحية، وتفاعل المهندسين المدنيين مع تجارب بناء المساكن الشخصية للأقارب، وليس المطلوب إلا الانتشار لهذه الممارسات الحسنة.

إنشرها