المشراق

تمبكتو .. جوهرة الماضي وضحية الحاضر

تمبكتو، جوهرة الصحراء، مدينة في إفريقية الغربية اشتهرت بتجارتها ومكانتها العلمية، وكانت حاضرة من حواضر المسلمين الموفورة النشاط لقرون عدة، إلا أنها صارت أخيرا ضحية المتطرفين الذين هدموا العديد من آثارها وتراثها.
وتعد تمبكتو المركز الإداري للمنطقة السادسة في جمهورية مالي، وجاء عنها في الموسوعة العربية ما ملخصه:
وردت أقدم صيغة لاسمها في رحلة ابن بطوطة "تنبكتو" أما السعدي في تاريخ السودان فيشرح اسمها في لغة زناقة بأنه كان اسم امرأة عبدة كانت حارسة لأول خيمة بدوية كانت هنا. تقع المدينة في الشمال الشرقي من انعطاف نهر النيجر على بعد عشرة كيلومترات من مجراه. كانت تمبكتو تاريخيا مركز تجارة القوافل والتزود بالمياه من نهر النيجر لعبور الصحراء الإفريقية الكبرى، كان سكانها خليطا من عناصر مختلفة، فقد أسستها قبائل صنهاجة الأمازيغية، ولكن استوطن فيها العرب منواحات مختلفة، وجاءها كثير من التجار والعلماء، ويعيد السعدي بداية نشأتها إلى نهاية القرن الخامس الهجري، أي نحو عام 1100، ولكنها كانت في البداية قليلة الأهمية، ولا نسمع عنها إلا في زمن ابن بطوطة، الذي زارها ووصف سكانها بأنهم من صنهاجة من الملثمين. جاء أول بيت حكم تمبكتو من مالي، وظل على حكمها من عام 737 إلى عام 837هـ ، وزارها في هذه الفترة الرحالة الشهير ابن بطوطة عام 753هـ/1352م قادما من مراكش، ووصف أوضاعها، وذكر أن أهلها كانوا من المسلمين، وكانت قبيلة مسوفة سيدة القبائل فيها. وثمة بيت آخر حكم تمبكتو 40 عاما، وهو بيت طوارق مغشرن، ثم خلفهم غاز يدعى سني علي دخلها ظافرا عام 873هـ وأعمل فيها القتل والسلب وظل على حكمها حتى عام 898هـ، وكان سيئ السيرة. على أن بيت سنغاي الذي انحدر من هذا الرجل ارتقى بالمدينة، فبلغت شأوا عظيما، وأعظم سلاطين هذا البيت هو أسكيا الهادي محمد، وكان راعيا للعلم والأدب، ثم انتقلت تمبكتو بعد وفاة آخر سلاطين هذا البيت عام 935هـ إلى حكم مراكش، فغزاها باشا مراكش المدعو محمود عام 999هـ وضمها إلى أملاك سيده مولاي أحمد المنصور سلطان مراكش، وظلت خاضعة للحكم المراكشي حتى عام 1164هـ/1750م وتميز هذا العهد بالضعف ومظالم الباشاوات وغارات الطوارق الذين سيطروا عليها عام 1207هـ، وتناوبت قبائلهم على حكمها بعد ذلك. اتصل الأوربيون بتمبكتو في القرن 15 الميلادي، فأخذت المدينة تتعامل مع إيطالية، وبخاصة فلورنسة، بطريق تونس وطرابلس، وكانت تخرج منها أربعة من طرق القوافل الكبيرة تقصد مصر وتونس ومراكش والسودان. وقد زارها اثنان من الرحالة الأوروبيين في ذلك الوقت، ويستفاد من وصفهما لها أنها كانت من الأماكن المشهورة. وقد وصفها الحسن الوزان المعروف بليو الإفريقي نحو عام 1475، فذكر أن "المدينة عامرة بالحوانيت، وبها معبد "يقصد مسجدا" من الحجر والكلس بناه مهندس بارع من أهل غرناطة، وقصر رائع يقيم فيه الملك، حلي بصور كثيرة وقضبان من الذهب يزن بعضها 1300رطل". وعرفت المدينة آنذاك بتجارة الذهبوالملح خاصة. وانقطعت الصلة بين تمبكتو وأوربة بعد القرن العاشر الهجري/الـ16 الميلادي، فكان الأوروبيون يتحدثون عن مدينة عزيزة المنال تكتنفها الأسرار، ولكنها بالغة الجمال وافرة الثروة بسبب اتجارها في الذهب وريش النعام والعاج والعبيد. وفي عام 1311هـ/1893م، حين دخلت تمبكتو في عداد المستعمرات الفرنسية، لم تعد المدينة متسعة الرقعة، كمـــا كانت أيـــام ملوك ســــــــنغاي القدماء، وقد وجد فيها كثير من المخطوطات عن تاريخ السودان الغربي ومنها "معجم الباشوات" الذين حكموه. وأشهر كتاب تمبكتو أحمد بابا الذي ألف معجما في التراجم، وأسره المراكشيون عند غزوهم المدينة، وحملوه إلى مراكش التي عاش فيها عدة سنوات قبل أن يعود إلى تمبكتو حيث توفي سنة 1036هـ/1626. وازدهرت الحركة العلمية في تمبكتو من القرن الثامن الهجري إلى القرن الـ12، ولازال فيها مثقفون وعلماء يرعون الثقافة العربية الإسلامية. اشتهرت تمبكتو بجوامعها التي كانت مراكز تعليمية كبرى ومراكز ثقافية وتربوية مهمة شبيهة بمساجد الإسلام الكبرى، ومن أشهر هذه المساجد جامع تمبكتو الكبير وهو أقدمها وأكبرها، ويعود بناؤه إلى القرن السادس الهجري، ثم جدد في القرن الثامن، وظل موضع عناية عدد كبير من السلاطين والحكام، وهو اليوم من المعالم الأثرية البارزة للمدينة. وهناك أيضا مسجد سنكري الذي تكامل بناؤه في القرن العاشر الهجري، وكذلك مسجد سيدي يحيى التارلسي الذي يعود بناؤه إلى منتصف القرن التاسع الهجري. وبرز عدد كبير من العلماء المشهورين الذين لم يكونوا يقلون في مستواهم الثقافي عن علماء معاهد العالم الإسلامي المعاصرين لهم. وكانت طبقة العلماء في تمبكتو تلي طبقة الملوك والأمراء من حيث النفوذ السياسي، إذ كانوا يحظون باحترام الخاصة والعامة وبمكانة اجتماعية رفيعة جعلتهم زعماء شعبيين مرموقين.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق