هل أنت مضارب أم مستثمر؟

|

تتميز الأسواق المالية بالتعقيد والبساطة في الوقت نفسه، فهي معقدة من ناحية تحليلها ومحاولة معرفة القيمة الحقيقية للأصل المتداول، وتوقع اتجاه السوق والسعر، وربط كل العوامل المؤثرة داخليا وخارجيا والمباشرة وغير المباشرة في حركة السوق، ومن ناحية أخرى هي بسيطة من ناحية سهولة الدخول للسوق وفتح المحافظ وآلية البيع والشراء السريعة والمباشرة دون أي تعقيدات، وسهولة الحصول على السعر الفوري والتنفيذ، هذه البساطة تتيح الوصول إلى هذه السوق لكل فئات المجتمع من المحترفين إلى الذين لا يملكون أي خبرة أو معلومة عن السوق، بعكس كثير من الأنشطة الاقتصادية أو التجارية، حيث إن الاشتراطات النظامية والرسوم والمتطلبات "مثل رخص البلديات وتوافر العمالة والعقار وتجهيزه وغيرها" تجعل بدء النشاط صعبا إلي حد ما، فيحد من تدفق الراغبين إلى الدخول في هذا النشاط، على العكس تماما فتح المحفظة لتداول الأسهم، فكل ما تتطلبه هو زيارة إلى شركة الوساطة وتعبئة النموذج ومن ثم تحويل المال، "حاليا حتى الزيارة أصبحت غير ضرورية، فكل شيء يتم عن طريق "النت" وأنت جالس في البيت"، هذا يجعل الأسواق المالية أكبر الأسواق اقتصاديا تتم فيها مشاركة مشترين وبائعين في الوقت نفسه، هذه الميزة تعني وجود فئات كثيرة من المتداولين لديهم اهتمامات وأهداف تختلف عن الآخرين، فعلى سبيل المثال، الفئة الأكبر تهدف إلى تحقيق عوائد مالية من التداول سواء كانوا مستثمرين أم مضاربين، وهناك فئة تتداول لغرض تسيل الأصول وتوفير سيولة وتمويل، وآخرون لأجل التملك الاستراتيجي في شركة وأخذ حصص مؤثرة في قرارات الشركات وغيرها من الأهداف التي تجعل السوق المالية مناسبة لتحقيقها.
لكن المهم في هذا المقال هو كيفية التفريق بين الفئتين الأكبر في السوق، وهم المضاربون والمستثمرون، رغم سهولة الإجابة عن هذا السؤال في البداية إلا أن أغلب الناس لا تفرق بشكل واضح بينهما، وإذا عرف فالأكيد أن الأغلب لا يستطيع معرفة الصفات اللازم توافرها للمتداول ليكون إما مضاربا ناجحا أو مستثمرا ناجحا، في البداية كيف نفرق بين المضارب والمستثمر؟
المضارب هو متداول يبحث عن العوائد من سوق الأسهم بالشراء بسعر منخفض والبيع بسعر مرتفع لكن على مدة قصيرة جدا، قد يكون الشراء والبيع خلال الجلسة نفسها، وقد تمتد إلى بضعة أسابيع، كذلك المضارب لا يبحث "في العادة" عن التوزيعات النقدية، بل يحرص على تسجيل أرباح سريعة وإن كانت قليلة، كذلك يعمل بنظام إقفال الخسائر بشكل سريع وفعال، ويتابع الأسعار بشكل مستمر ولحظي، وأخيرا يعتمد كثيرا على التحليل الفني ومتابعة نمط الأسعار.
في المقابل، المستثمر يفعل الشيء نفسه، حيث إنه يبحث عن الشراء بسعر منخفض والبيع بسعر مرتفع "أو العكس"، لكن بسياسة الشراء والانتظار لمدة طويلة، لذلك فهو يبحث عن العوائد لفترات طويلة على عكس المضارب، المستثمر لا تعنيه تقلبات السوق ولا تغير الخسائر على المدى الزمني القصير من قراراته، لا يراقب السوق والأسعار بشكل مستمر وفوري، أخيرا المستثمر يبني قراراته على التحليل الأساسي للشركات وتحديد القيمة الحقيقية، وليس بناء على التحليل الفني وحده.
قد يعتقد البعض أن عمل المضارب سهل أو عمل المستثمر سهل، لكن في الواقع كلاهما صعب جدا، والأخطر أن يسلك المتداول طريق المستثمر مرة وطريق المضارب مرة أخرى ومن ثم تضيع طريقه بينهما، وهنا أجد أن كثيرا من المتداولين في السعودية يقعون فيها. تكمن صعوبة عمل المضارب في عدة أمور، أولها يجب أن يملك المضارب استراتيجية عمل واضحة للدخول والخروج واختيار الأسهم، كذلك لا بد أن يملك عدة صفات شخصية فدونها لن يحقق أي نجاحات تذكر أو حتى قد يحقق خسائر فادحة، أولى هذه الصفات هي الانضباط، فلا فائدة من تحديد استراتيجية إذا كان المضارب سيتغاضى عنها أو يتجاوزها بعض الأحيان، كذلك لا بد أن يمتلك المضارب قوة تحكم في مشاعره تبعده عن العاطفة، ففي أحيان كثيرة سيتخذ قرارات تعاكس الاتجاه العام للسوق وهذه تتطلب قوة وشجاعة.
أما بالنسبة إلى المستثمر، فكما ذكرت للمضارب من ناحية وجود استراتيجية واضحة خصوصا لاختيار الأسهم وتحديد القيمة العادلة، إضافة إلى الانضباط وعدم التأثر بالعواطف وتقلبات السوق، امتلاك قدرة تحليلية عالية للاقتصاد وللقطاعات والشركة، تمكنه من استيعاب كل المؤثرات في السعر والقيمة، طبعا هذا لا يعني الارتباط عاطفيا بسهم تم شراؤه بل يجب تحييد العواطف تماما والسيطرة على الغرور عند اتخاذ قرار خاطئ أو عندما تتغير المعطيات والأساسيات للشركة، وأخيرا يجب أن يمتلك المستثمر خصلة الصبر، فدون الصبر لا يوجد مستثمر.
ختاما، توجد قصص نجاح كبيرة ومعروفة لمضاربين ومستثمرين، لكن وبكل تأكيد الغلبة لمصلحة المستثمرين، حيث إن أغلب من نجح في السوق هم فئة المستثمرين، وقصص النجاح للمضاربين موجودة لكنها قليلة بل هي قليلة جدا، وهذا يقودنا إلى الاستنتاج التالي: "أن نجاح مضارب أصعب بكثير من نجاح مستثمر"، ولذلك دائما أنصح المتداولين ألا يسلكوا طريق المضاربين الوعرة جدا والخطيرة جدا، بل أن يتجهوا إلى الاستثمار، وهذا لا يعنى أنها "آمنة"، لكنها أقل خطورة وأعلى احتمالية لتحقيق عوائد من المضاربة في حال تم انتهاج استراتيجية مناسبة.

إنشرها