المشراق

التاريخ .. التجربة .. الحصيلة .. والنتيجة

بدأت أتعايش مع أرقامه حفظا وتسلية، أحضرت جهاز الهاتف المتهالك الذي كنت أستخدمه في المرحلة المتوسطة؛ كي أدون تواريخ أهم الأحداث في ذاكرتي وأفرغها على أوراق الإجابة أثناء الاختبارات بطريقة انتقائية، المهم فالأهم.
بدأت أقسم الأحداث بما يتوافق مع سهولة الحفظ، ابتكرت طرقا مشابهة وأخرى مختلفة، في كل مرحلة دراسية كنت أتقدم فيه وإليه، وحين وصلت إلى المرحلة الجامعية الأولى "البكالوريوس" اخترت التاريخ تخصصا بين ثلاثة تخصصات، استغرق فكري تجولا في عوالمه، فاستشعرت أنني أعيش في كل حقبة وأزور كل بقعة، ولازمت هذا العلم حد الهذيان، فعندما كنت في السنة الأولى من المرحلة الجامعية لم أدرك أن "حتشبسوت" لم تجب نداءاتي، على الرغم من صحة الاسم، إلا أن الشخصية الفرعونية لا وجود لها، لكن مدبرة منزلنا بقيت في ذهول! بعدها أدركتُ صمتها وتعجبها، وعجيب قولي فضحكتُ في عجب وحب.
بدأت أتعلم الفلسفة والمنطق، وأجوب فضاءاته الشاسعة، أطلقت عليه أولى مقولاتي "التاريخ شيخ لا يشيب"، أثناء احتفاء قسم التاريخ في جامعة الملك سعود بعلم التاريخ، تعلمت أن أحتفظ بكل ورقة؛ علّها تكون يوما ما الشاهد الصامت، ووثيقة للحدث التاريخي، وللكلمة بقية في تلك الورقة الشاهد غير العيان على مقولتي بين أروقة ذاك القسم.
حصلت لي فرصة التحويل إلى الأقسام التي فتحت ذراعيها لاحتواء طموحاتي، فذاك قسم القانون، وهذا قسم اللغة الإنجليزية، وذلك قسم الحاسب الآلي، وتلك التربية الخاصة، ومن بينها قسم علم النفس، وعندما فكرت في الالتحاق بأحدها، عدت لأرمي بفكري بين ذراعي قسم التاريخ، فأمسكت بيده، وبت أسمع منه وأرى وأتخيل، وأستخدم خواص الفكر وأدواته.
حين درست تاريخ التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، أيقنت أن دوام الحال من المحال، أدركت أيضا أن هناك أملا يشع في فضاءات اليأس حين تنشأ دولة من العدم، حين يَهم بعضهم ويبدأ من لا شيء ويتحول إلى شيء يسيطر على كل شيء، ترسخت لدي الطموحات والتحديات، فحين قرأت عن شخصيات تاريخية عن طريق مفكر ما، أو كاتب لمذكرات تاريخية، أو سير غيرية، وجدت من بين تلك الشخصيات ما يحتذى حذوه، وأعجبت بمن كتبوا عن أنفسهم قبل رحيلهم، وكأنهم يسايرون الشعراء حينما يرثون أنفسهم وهم على قيد الحياة، فصاروا إلى ما صار إليه بعض الأدباء.
رأيت في التاريخ أدبا، حين يسجل أبيات الشعراء وقصائدهم، حين يضم شيئا من خواطرهم وخربشاتهم الأدبية بين صفحاته؛ لذا امتزج الأدب في فكري مع التاريخ، فأخرجت مفهوما آخر لتدوين التاريخ وفهمه. فبين أسطري أجدني أجمع بين فن الخاطرة الأدبية والحدث التاريخي؛ لينتج ما يمكن أن أُطلق عليه "خوطرة التاريخ"، وهي دعوة إلى الأديب المؤرخ، وكذلك المؤرخ الأديب، إلى صياغة التاريخ والجمع بين ما تحمله الخاطرة من جماليات نصية وأسلوب إبداعي، والكتابة التاريخية ذات الصبغة العلمية؛ لتشكل مزيجا يخاطب الألباب والأفئدة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق