جودة التعليم إلى أين؟

|

خلال السنوات الماضية شهدت الجامعات السعودية حراكا قويا استهدف الحصول على الاعتماد الأكاديمي من الهيئات المتخصصة خارج المملكة، في التخصصات التربوية كافة، والإدارية، والهندسية والتقنية، والطبية، وتحول الأمر إلى تنافس محمود، إذ لا أحد يكره أن يرى جامعات بلاده في المقدمة، وفي المستوى الذي يؤهلها لمنافسة الجامعات العريقة عالميا.
يجب التمييز بين الاعتماد الأكاديمي، بفلسفته، وآلياته، ونماذج التقويم المعمول بها، والمؤسسات المعنية به، مثل المجلس الوطني لاعتماد برامج إعداد المعلم في أمريكا المعروف بـ NCATE، وهيئة اعتماد التخصصات الهندسية والتقنية المعروفة بـ ABET وغيرها من هيئات الاعتماد، وبين ترتيب الجامعات الذي تعنى به جهات إعلامية كمجلة "التايم الأمريكية"، أو مراكز أخرى تعنى بهذا الأمر، كالمركز الصيني المعروف بشنغهاي، أو التصنيف البريطاني للجامعات المعروف بـ the times higher eduction ranking. هيئات الاعتماد الأكاديمي تعتمد معايير كثيرة، وإجراءات، ومراحل عمل تستمر لفترة طويلة من جمع المعلومات، والاستقصاء، والتحليل، والزيارات للجهة طالبة الاعتماد، في حين أن جهات ترتيب الجامعات تعتمد في الأساس على ما يتوافر من معلومات على موقع الجامعة، من حيث نسبة طالب لأستاذ، ونسبة فني لأستاذ وطالب، والمقارنة بالجامعات المناظرة، وعدد البحوث المنشورة، والاقتباسات من بحوث الجامعة، وهذه وغيرها مؤشرات لا يمكن الاعتماد عليها وحدها للحكم على جودة التعليم، والمخرجات.
الجامعات استحدثت وكالات جودة، وكذا الكليات وجد فيها وكلاء جودة، وشكلت لجانا للجودة في الأقسام، وعلى مستوى الكليات، ويفترض أن يكون لهذه الجهود، والنفقات الآثار الإيجابية في المخرجات في المعارف المكتسبة، والمهارات المتقنة، والقيم المهنية والاجتماعية، إضافة إلى خصائص الشخصية، وحتى تكون الصورة واضحة لا بد من استحضار عناصر منظومة الجودة المتمثلة في الإمكانات المادية، والأنظمة والمعايير الجيدة في اختيار أعضاء هيئة التدريس، وفي قبول الطلاب، وسلامة العمليات والإجراءات لتنفيذ المهمات المنوطة بكل من ينتمي للمؤسسة الأكاديمية من أعضاء هيئة تدريس وإداريين، سواء في إدارة الجامعة العليا، أو الوسطى والدنيا.
الاهتمام بالجودة أمر حتمي، لتسهم الجامعة في تحقيق المواطن الصالح، الذي يتطلع إليه أي مجتمع، وما لم يتحقق المواطن الصالح في مخرجات الجامعة لن يكون للجامعة قيمة في هذه الحالة، المشكلة لدى بعض جامعاتنا غلبة الشكل على الجوهر، فعلى سبيل المثال لا الحصر تطلب لجان الجودة في الأقسام من عضو هيئة التدريس تزويدها بتقرير المادة، وهو عبارة عن نماذج من واجبات الطلاب، والأسئلة، وإجابات الطلاب في الاختبارات الشهرية والنهائية، وهذه العملية مستمرة منذ سنين وتحتاج من الأستاذ إلى جهد في التصوير والتنظيم، وتتحول هذه الأوراق إلى ملفات تتكدس في مكاتب الجودة، وهذا نموذج إخلال واضح في عمليات الجودة، فالأمر يقتضي تحليل الأعمال لاكتشاف الإيجابيات والسلبيات لدى الطلاب، والأساتذة، ومعرفة النسق الذي يوجد في الأداء، وإعطاء تغذية راجعة يستفيد منها الأستاذ، والجامعة، بهدف اتخاذ قرارات تصحيحية لمواطن الخلل التي قد توجد في العملية التعليمية والبحثية.
من الأمثلة الصارخة على الخلل في الإجراءات عدم مراعاة الوقت الكافي لاختيار طلاب الدراسات العليا ماجستير ودكتوراه، رغم الأعداد الكبيرة التي تتقدم لبعض الأقسام، خاصة العلوم الإنسانية، إذ يتقدم المئات، بل الآلاف، ومن هو في موقع مسؤولية الإشراف على الدراسات العليا، سواء في عمادة الدراسات العليا، أو في الكليات لا يعطون الوقت الكافي، وربما لا يدركون أهمية الوقت لاختيار الأفضل من المتقدمين، خاصة أن الأقسام تراجع البيانات المقدمة من كل طالب، وتفحص، وتدقق الأوراق، وتجري الاختبار، والمقابلات، على أن يتم ذلك في غضون أسبوعين من تاريخه حسب تعميم لا يدرك مصدره أهمية الوقت لتحقيق الجودة.
تأخير الإعلان عن فتح باب القبول للدراسات العليا إلى الفصل الثاني لا معنى له، ويمكن أن يتم التقديم خلال الفصل الأول، لتتم عمليات الفحص، والتدقيق، والاختبار، والمقابلة خلال الفصل الثاني، بدلا من الاسترخاء الإداري المضر بالجودة. تحقيق العدالة والموضوعية في اختيار المتقدمين تحتاج إلى وعي بالواقع، وخبرة، وحصافة، ودراية إداريه بدلا من قرارات تتجاهل شروط الجودة، وتحولها إلى عمل مظهري أجوف.

إنشرها