المشراق

جبل أبو مخروق وذكريات الملوك والأدباء

هناك أماكن ترتبط بعلاقة وطيدة مع الإنسان لأسباب عديدة، ومنها جبل أبو مخروق الذي جعلت منه هيئته مكانا مناسبا للتبرد والاسترخاء، ولتميز شكله كان مناسبا لضرب المواعيد عنده، ويذكر الشيخ عبدالله بن خميس أن هذا الجبل كان في القديم ميعادا للمسافرين من حجر اليمامة إلى البصرة، وميعادا للمهاجمين من الغزاة. وذكر أن الأمير عبدالعزيز بن متعب بن رشيد عسكر فيه.
أبو مخروق، بفتح الميم، وسكون الخاء، وضم الراء، وسكون الواو، هكذا نطقه الفصيح، أما نطقه بالعامية النجدية فيقال: مخروق، بسكون الميم، وفتح الخاء. وهذا الاسم اشتهر به جبل يقع في حي الملز وسط مدينة الرياض، وترجع شهرته لأسباب منها كونه معلما للقادمين إلى مدينة الرياض يقف عنده الغزاة، وقوافل التجارة، كما كان متنزها للمؤسس الملك عبدالعزيز وغيره من أهل الرياض، ثم أصبح بعد ذلك حديقة عامة يزورها سكان الرياض.
قال ابن جبير (ت 614هـ) في رحلته "تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار"، "وفي ضحوة يوم السبت بعده نزلنا بالجبل المخروق، وهو جبل في بيداء من الأرض، وفي صفحة الأعلى ثقب نافذ تخترقه الرياح". وقال ابن بطوطة (ت 779هـ)، "ثم رحلنا ونزلنا بالجبل المخروق، وهو في بيداء من الأرض، وفي أعلاه ثقب نافذة تخرقه الريح". وعند التأمل يتبيّن أن الجبل المخروق الذي ذكره ابن جبير وابن بطوطة يقع في منطقة حائل، لأن المواضع التي مرا بها هناك. وتسمية الجبال بالمخروق تتكرر إذ يذكر ابن المجاور في "تاريخ المستبصر" جبلا بهذا الاسم، "بطريق مكة جبل يسمى المخروق فيه خرق منفصل من لحفه إلى ذروته"، كما يذكر بعض البلدانيين أسماء مماثلة، وفي السعودية عدة أماكن بهذا الاسم.

الخربة
وجاء في "معجم البلدان" لياقوت الحموي، "الخربة، قال الحفصي إذا خرجت من حجر وطئت السلي فأول ما تطأ هو موضع يقال له، الخربة وهو جبل فيه خرق نافذ بالنبك". وفي موضع آخر يقول ياقوت، "وجدت في كتاب أبي جعفر محمد بن إدريس بن أبي حفصة في مناهل اليمامة قال فيه، إذا خرجت من حجر تريد البصرة فأول ما تطأ السفح ثم الخربة ثم قارات الحبل ثم بطن السلي ثم طار ثم عيان ثم روض القطا ثم العرمة وهذه كلها من أرض اليمامة". ويرى الشيخ حمد الجاسر والشيخ عبدالله بن خميس، وتابعهما آخرون أن جبل الخربة هذا هو الاسم القديم لجبل أبو مخروق. ورأيهما وجيه فوصف مكان جبل الخربة وشكله ينطبق على جبل أبو مخروق.

كانوا هنا
اعتاد الملك عبدالعزيز أن يتنزه في جبل أبو مخروق وحوله، وهناك روايات عديدة مدونة وشفهية تشير إلى ذلك، فقد ذكر أمين الريحاني أنه خرج بصحبة الملك عبدالعزيز للنزهة في جبل أبو مخروق، وفي غار الجبل اجتمع بالشيخ صالح باشا العذل، الذي حدثه عن رحلته إلى السلطان عبدالحميد مبعوثا من الملك عبدالعزيز.
وممن زار هذا الجبل الرحالة الشهير هاري سانت جون فيلبي، وذكر في كتابه "الذكرى العربية للمملكة العربية السعودية" أنه ساد بين كثير من أهل الرياض أنه مكان للجن والشياطين. كما يذكر أن جبل أبو مخروق يبعد ثلاثة أميال باتجاه الشمال عن الرياض القديمة، وألا أحد يمر من جوار الجبل فضلا عن دخوله، وأن الملك عبدالعزيز وعد يوسف ياسين بـ300 جنيه ذهبا إذا قضى ليلة في جبل أبو مخروق، ويقصد أنه مكان مخيف بسبب ما يشاع من أنه مكان للجن والشياطين. وفي كتابه "قلب جزيرة العرب" يذكر فيلبي أنه ذهب إلى الرياض واستراح في الجبل أزيد من ساعتين، لأن وصوله إلى الرياض كان سيصادف وقت صلاة الجمعة فيما لم يتوقف الساعتين، كما ذكر أن الجبل يسمى المخروق وأن المنطقة المحيطة به تسمى أبو مخروق. يقول فيلبي، "كانت مجموعات الروابي الموجودة على يسارنا وإلى الأمام منا مباشرة تعرف باسم أبو مخروق Abu Makhruq. وعن طريق روابي أبي مخروق الصغيرة المبعثرة هنا وهناك غيرنا طريقنا صوب سلسلة من الجبال يزيد ارتفاعها على سائر السلاسل الأخرى، التي شاهدنا من قمتها بعد أن تمكنا من الوصول إليها، منظرا من بعد لروابي قاحلة فوق واحة الرياض" ثم يذكر أنه حان وقت صلاة الظهر قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى بوابات الرياض، ففضلوا التوقف في بقعة من البقع الظليلة، وكانت البقعة المناسبة هي سفح جبل المخروق Al Makhruq، الذي "يشبه المغارة أو الكهف، الذي تستقي الروابي المحيطة به أسماءها من اسمه، يضاف إلى ذلك أن ذلك التل البعيد يعد مسرحا لكثير من الطلعات الملكية في أمسيات الصيف البراد. وقفنا في ذلك المكان، وقيدنا جمالنا على الطريق، وصعدنا التل على أقدامنا، إلى ما يقرب من مائة قدم، إلى أن وصلنا إلى فتحة الكهف، أو إن شئت فقل المغارة، وهي فتحة غريبة الشكل تشبه نفقا يمر خلال قمة التل، محدثة بذلك فجوة تشبه الكهف، مفتوحة من ناحية الشرق ومن ناحية الغرب أيضا، وعليها عقد من أعلاها مكون من سقف صخري طبيعي. وفي تجاويف تلك الغرفة ذات الجدران الصخرية التي تتسع لجماعات كبيرة من الناس فردنا أجسادنا فوق سجادة لتناول قسط من الراحة التي امتدت إلى ما يزيد عن الساعتين"، ثم يذكر أنهم شربوا القهوة وأكلوا وناموا.
ويذكر محمد بن عبدالعزيز بن دغيثر في اللقاء الذي أجري معه في كتاب "كنت مع عبدالعزيز" أن الملك عبدالعزيز راهن يوما مستشاره يوسف ياسين أن يضع شيئا على رأس جبل أبو مخروق، وكان يومئذ خارج نطاق الرياض. شريطة أن يذهب في الليل ليحضره بنفسه، وفي الوقت نفسه أرسل الملك عبدالعزيز اثنين من الخويا ينتظران يوسف ياسين هناك، فلما أقبل صرخا في وجهه، وش أنت يا هذا؟ فتملك الرجل الفزع، وأخذ يردد بصوت مرتفع، أنا يوسف ياسين، رجال عبدالعزيز، أنا يوسف ياسين، رجال عبدالعزيز. ورجع من دون إحضار أي شيء وخسر الرهان.
كما يذكر محمد بن عبدالوهاب أبو ملحة في "رجال وذكريات مع عبدالعزيز"أنه ذهب رفقة والده إلى الرياض عام 1372هـ، ومكثوا ثلاثة أشهر، وأنهما رافقا الملك عبدالعزيز في إحدى المناسبات إلى جبل أبو مخروق وشاهدوا سباق الخيل.
ويذكر محمد بن مفرج أبو اثنين في كتاب "رجال وذكريات مع عبدالعزيز" أن الملك أراد أن يمنحه وبعض جماعته أراضي في أبو مخروق، إلا أن أحدهم اعترض مقللا من أهمية هذه الأراضي، مفضلا أن تكون في موقع آخر، فعقب الملك عبدالعزيز بأنه اختار لهم الأفضل. ولم تتم المنحة بسبب اعتراض هذا الشخص.
وممن مر بهذا الجبل رشدي ملحس أحد المثقفين الذين عملوا مع الملك عبدالعزيز، وقد رافقه ضمن آخرين في عودته من مكة إلى الرياض في شهر ربيع الآخر من عام 1346هـ، ومروا بأبو مخروق.
وزار الجبل وجلس فيه مرارا الشيخ عبدالله خياط، وأحمد علي الكاظمي، أحدهما عام 1356هـ، وقال الكاظمي يصفه، "عبارة عن تل قليل الارتفاع، عند قمته فتحة كبيرة ووراءها ظلال، ويتخللها الهواء البارد دوما من هذه الفتحة، ويجلس فيه الناس، ومنظره في الحقيقة بديع، وهو عبارة عن حجارة كلسية متجمدة". ويدل كلام آخر للكاظمي أن الجبل كان متنزها للناس من تلك الأيام.
وفي عام 1358هـ زار الجبل ووصفه الدبلوماسي الياباني إيجيرو ناكانو في كتابه "الرحلة اليابانية إلى الجزيرة العربية"، وشبهه بالنسر، يقول، "ذهبنا إلى جبل أبو مخروق في وسط الصحراء، وتمكنا من مشاهدة جبل يتكون من الحجر الجيري، يصل ارتفاعه إلى 50 مترا، وشكله مثل شكل النسر، وتبدو في رأس النسر فتحة كأنها عين النسر. تسلقنا الجبل وأصبحت الفتحة أمامنا أكبر وأوسع، كان قطرها نحو سبعة أو ثمانية أمتار، شكلتها عوامل التعرية ــ ربما العواصف الشديدة ــ وعبر هذه الفتحة تناهى إلى أسماعنا صوت غريب، فأصابنا نوع من الخوف، ومنعنا رئيس الحرس من المضي إلى صعود الجبل، قال، انتظروا حتى أستطلع الأمر، وصعد وحده، ونظر إلى الناحية الأخرى من الفتحة، وجاء بسرعة وقال، إنهم أحفاد الملك كانوا يلعبون هنا".

خطأ شائع
ورد في بعض المراجع التاريخية، وانتشر في بعض القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي أن الملك عبدالعزيز حين قدم لاسترداد الرياض عام 1319هـ عسكر مع رفقائه في جبل أبو مخروق، ثم ترك أخاه الأمير محمدا مع مجموعة من المقاتلين في هذا الجبل، وانسل هو مع بعض رجاله لاقتحام الرياض. إلا أن هذا الكلام عار عن الصحة تماما، فالمكان الذي مكث فيه الأمير محمد وبقية المقاتلين الذين لم يدخلوا الرياض مع الملك يقع خارج أسوار الرياض عند بستان لابن حوبان قرب بوابة الظهيرة. وهذا المكان غرب مدينة الرياض القديمة، أما أبو مخروق فيقع شرقيها. وقد ورد هذا الخطأ في إضافات الناشر على كتاب "رحلة عبر المملكة العربية السعودية" للإيطالي مارشيللو موكي، إذ وضع الناشر مجموعة صور التقطها إنجيلو بيشيه، ومن ضمنها صورة جبل أبو مخروق، وعليها تعليق مماثل للخطأ السابق. وسبق أن فند عبدالواحد محمد راغب هذا الخطأ في كتابه "فجر الرياض".
ومن الأخطاء المتعلقة بهذا الجبل ما صدر عن وكالة الأنباء السعودية من أن حديقة جبل أبو مخروق هي أقدم حديقة في منطقة الرياض، وهذا الكلام غير صحيح البتة، فقد بدأ العمل بهذه الحديقة عام 1395هـ، وافتتحت عام 1400هـ، وقبل هذا الافتتاح بأكثر من 20 سنة كان هناك عدة حدائق ضخمة في الرياض منها، حديقة الرياض الجديدة، وحديقة ميدان الملك سعود، وحديقة الفوطة، وحديقة المربع، وحديقة الأمانة، وحديقة ميدان الشميسي، وكلها مفتوحة قبل عام 1380هـ. وفي موقع الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أن أقدم حديقة في الرياض هي حديقة الفوطة التي افتتحت عام 1377هـ.

حديقة الجبل
بدأت أمانة مدينة الرياض بتنفيذ حديقة جبل أبو مخروق عام 1395هـ، وتم افتتاحها عام 1400هـ، وكانت حديقة الجبل مزدهرة يأتيها الناس ثم هجرت وأغلقت.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق