آليات تطوير الهيكل التنظيمي وجعله أكثر ملاءمة

|
يفضل معظم الأشخاص المؤسسات ذات الهياكل الأفقية، حيث تتقلص المسافة بين رأس الهرم وقاعدته. كيف ننظر إلى منظومة تسهم في تحسين الأداء؟ ولكن نسبة كبيرة من الأشخاص المشاركين فيها غير راضين عنها، قد يكون التسلسل الهرمي التقليدي مجرد منظومة. لكن على الرغم من ذلك يركز عديد من الباحثين على تفسير التسلسل الهرمي، عوضا عن النظر بشكل أكثر جدية إلى كيفية جعله أكثر ملاءمة للأشخاص. يأتي شعور الأفراد حيال الهياكل التنظيمية التي يختبرونها في بيئة العمل على الدرجة نفسها من حيث الأهمية مع كفاءة وفاعلية تلك الهياكل. وفي الواقع يتشابك كل منهم في عالم يعطي أهمية للحوافز غير المنظورة للموظفين (أي العالم الحقيقي). بناء عليه، تجب علينا محاولة استيعاب تفضيلات الأشخاص فيما يتعلق بالهياكل التنظيمية ــــ خاصة إذا تمكنا من القيام بذلك دون التأثير في عامل الكفاءة. قمنا بدراسة شملت شريحة متنوعة من كبار المهنيين لمعرفة الجوانب الإيجابية والسلبية للتسلسل الهرمي في الشركات. وتبين أن النقطة الأساسية التي تثير استياء مجموعة واسعة منهم، تتجلى في كون التسلسل الهرمي يشتمل على عدة مستويات للإدارة، أي عدد كبير جدا من المديرين بين صغار الموظفين والرئيس التنفيذي. وكان جليا تفضيل الأشخاص للشركات ذات الهياكل الأفقية، كون السلطة فيها محصورة بعدد قليل من المستويات التي تفصل بين رأس وقاعدة الهرم (الموظفين والإدارة العليا). التسلسل الهرمي الأفقي كيف نتعامل مع مشكلة تعدد المستويات في التسلسل الهرمي؟ بصفة عامة، هناك نهجان محتملان فقط. أولا، بإمكاننا تقليص عدد الأشخاص في المؤسسة. فالمؤسسات الصغرى تحتوي بطبيعة الحال على عدد أقل من المستويات. ولكن الأمر مختلف بالنسبة للشركات الكبرى، حيث يزداد فيها عدد مستويات الإدارة كون فرص الربح فيها أكبر. فهل أنت على استعداد للتخلي عن ذلك؟ رموز التسلسل غير الهرمي مثل شركة فالف المتخصصة في صناعة ألعاب الفيديو، شركة خاصة يقاوم أصحابها الضغوط لتحويلها من شركة خاصة إلى عامة. هذا الخيار غير وارد بالنسبة للشركات الكبرى التي لا تستطيع الاستغناء عن موظفيها لمجرد جعل بقية موظفي الشركة راضين عن التسلسل الهرمي الأفقي. لسنا بصدد القول إننا ضد تقليص حجم الشركات عند الضرورة ــ لكن فقط ضد اتباع هذا النهج في سبيل تحويل الهيكل التنظيمي إلى أفقي. ربما تنجح الأتمتة والذكاء الاصطناعي في جعل المنظومة أفقية، من خلال تمكين المؤسسات من المحافظة على مستوى الأداء نفسه بعدد أقل من الموظفين. فإذا ما تسببت أتمتة عمل الشركات في تقليص الوظائف الحالية على نطاق واسع، فقد تكون مسألة التسلسل الهرمي آخر ما يثير قلقنا. ثانيا، يمكننا استخدام أهم البدائل المتاحة لدينا لتغيير شكل التسلسل الهرمي (مع الحفاظ على حجمه الحالي) وهو نطاق الإشراف، أي عدد المرؤوسين الذين يشرف عليهم رئيس واحد. بحسب الحساب الهرمي، فإن الطريقة الوحيدة لتقليل عدد المستويات في الهرم التنظيمي مع الحفاظ على حجمه الكلي، تكون عبر زيادة نطاق الإشراف في كل مستوى من المستويات (نادرا ما يكون ثابتا عبر المستويات). ما العوامل التي تحدد نطاق الإشراف؟ يصل نطاق الإشراف إلى الحد الأقصى عندما يتجاوز عدد المرؤوسين عدد الأشخاص الذين يستطيع المرء أن يمارس سلطته عليهم. وتنطوي هذه السلطة على الإشراف عليهم وحل النزاعات والصراعات بين المرؤوسين. بشكل عام، كلما ازداد عدد المرؤوسين المباشرين للمشرف، يقل التفاعل فيما بينهم، أي صعوبة إدارة مجموعة تصبح أضعافا مضاعفة بحسب حجم المجموعة، الأمر الذي يدركه أي مدير. ففي سبيل زيادة نطاق الإشراف، ينبغي علينا زيادة قدرة المدير على إدارة النزاعات ضمن المجموعة، واحتمالية جعل الموظفين قادرين على حل نزاعاتهم من تلقاء أنفسهم أو كلا الأمرين. كيف بإمكاننا تحقيق ذلك؟ إعادة تنظيم وتقسيم العمل (بالتالي خفض الترابط)، واستخدام القواعد وسياسات العمل والتكنولوجيا لتعزيز التعاون على صعيد الموظفين والكادر الإداري، وبناء ثقافة عمل تسهم في تمكين التعاون بين الموظفين تعد من أكثر الخيارات المتاحة، حيث يسهم كل منها في تقليص التسلسل الهرمي. على سبيل المثال، وجدنا خلال الاستطلاع برهانا على أنه مع الأخذ في عين الاعتبار حجم الشركة والقطاع، يبقى معدل متوسط المستويات في الشركات الآسيوية أكبر من تلك الموجودة في أوروبا. ربما تلعب الاختلافات الثقافية دورا في ذلك، وإذا ما كان ذلك صحيحا، فهذا يعني أن الاختلافات في الثقافة التنظيمية قد تكون لها آثار مماثلة. التخفيف من التسلسل الهرمي بإمكاننا أيضا محاولة تخفيف حدة الآثار السلبية للمستويات في التسلسل الهرمي مع الحفاظ على شكله من خلال القيام بعدة إجراءات، تتمحور في أربع نقاط أساسية: أولا، تخفيف التصورات الذهنية عن عدم المشاركة في عملية صنع القرار، من خلال إتاحة الفرص للتفاعل بشكل مباشر عبر المستويات. كما يشير بريد إلكتروني وجهه إيلون ماسك لموظفيه، مؤكدا ضرورة فصل التسلسل الهرمي للسلطة عن شبكة الاتصالات في المؤسسة: في حين تعبّر السلطة بالضرورة عن العلاقة المتباينة للمستويات في السلم الهرمي، إلا أن الاتصالات من حيث المبدأ قد تكون بشكل متكافئ ومتعددة الاتجاهات. ثانيا، تخفيف التصورات الذهنية عن عدم المساواة واختلافات الترتيب الوظيفي من خلال إرساء معايير قائمة على المساواة. ثالثا، دفع الأشخاص إلى تفويض المهام كلما سنحت الفرصة. هنا يجب التنويه إلى أنه بحسب الهيكل القانوني للشركة، تقع المسؤولية على عاتق الإدارة العليا في نهاية المطاف. فالسلطة يتم تفويضها على امتداد التسلسل الهرمي، لكن المسألة ليست كذلك. ما يعني بدوره أن المزايا المعروفة لتفويض السلطة ــ مثل جعل عملية اتخاذ القرار محصورة في دائرة المعرفة، والآثار الإيجابية التحفيزية في المرؤوسين، وإيجاد فرص التدريب ــ يجب أن تكون مدروسة بعناية كي لا تتسبب في فقدان السيطرة والتنسيق. لكن ببساطة، ينبغي ألا نستهين بتكاليف تفويض السلطة نحو المستويات الأدنى في التسلسل الهرمي: كون السلطة توفر لنا إمكانية فرض النفوذ والتنسيق، في حين يجبرنا التفويض على التخلي عن بعض الإجراءات. أخيرا وليس آخرا، قد يكون التأثير الأهم لإدراك التسلسل الهرمي، هو تثقيف الناس حول كيفية أداء عملهم، ولماذا يعملون بالطريقة الحالية، ومزاياهم وسلبياتهم. الفهم العميق لمفاهيم مثل فقدان السيطرة، وقيود نطاق الإشراف، وقصور تفويض المهام، بإمكانه تحويل النقد باتجاه إخفاقاتهم الفعلية.
إنشرها