لمحات من تجربة قانون المنافسة الأمريكي

|

كما هو معلوم أن قانون المنافسة الأمريكي هو من القوانين المعمرة، ومن القوانين التي دامت لما يزيد على 127 عاما، والذي ما زال باقيا بلغته التي كتب بها منذ عام 1890 إضافة إلى القوانين التي تمت إضافتها بعد ذلك لتواكب المستجدات التي حدثت ولا تزال تحدث. هذا يأتي بالتزامن مع تحديث وتطور وتغيير تطبيقات وتفسيرات قوانين المنافسة الأمريكية من خلال السوابق القضائية التي أسست وبنت لفكر قانون المنافسة الأمريكي ما جعل قانون المنافسة الأمريكي يعتبر نموذجا فريدا، حيث بدوره حث مجموعة من الدول للاحتذاء به والسير على خطاه نسبيا. وفي كل الأحوال في كل دولة تتم الاستعارة أو الاستفادة من التجربة الأمريكية في قانون منافستها، تظل الولايات المتحدة التي تتفرد بتجربتها، ويصعب القول إنه يمكن لدولة تطبيق التجربة الأمريكية بحذافيرها لأسباب كثيرة ليس هذا مقام بيانها.
وعلى الرغم من طول وقدم تجربة قانون المنافسة الأمريكي إلا أن البحوث والكتابات والتطورات والمناقشات ظلت قائمة وما زالت مستمرة، ما يظهر حجم هذا العلم وسعة محيطه، ما يمكن أن يلهم عديدا من الدول في مسألة الاستمرار بالتطوير في أنظمتها من خلال الاستمرار في دعم المناقشة والبحث ودعم شفافية الإجراءات، ودعم ظهورها للجمهور من الباحثين والأكاديميين من قانونيين واقتصاديين وفلاسفة وغيرهم من التخصصات ذات العلاقة.
كذلك على الرغم من طول وقدم تجربة قانون المنافسة الأمريكي إلا أنه ما زالت جوانب أو مسائل غير واضحة أو يشوبها شيء من الضبابية، وهذا النوع من الضبابية قد يفسره جمع أنه أمر سلبي وفي الجانب الآخر قد يفسره جمع آخرون على أنه أمر إيجابي. هذا النوع من الضبابية قد يعزى لمجموعة من الأسباب أحدها أن هذا النوع من المجال وهو قانون المنافسة يتعامل مع جوانب واقتصادية قانونية متغيرة، ولذلك نجد أن صائغي قوانين المنافسة حتى في نقاشهم كانوا يصرون على أن يستعملوا عبارات عامة، حيث يمكن تفسيرها وتنفيذها حسب كل عصر وحسب ما يستجد من مستجدات الزمان. فقد كان في نيتهم أو كما تسمى نية المشرع أن يستمر هذا القانون لحقب وعقود طويلة ما يظهر كذلك البعد التشريعي الذي كان يسير عليه المشرع الأمريكي، حيث يتضح من نية المشرع أنه كان يهدف ويتمنى أن يسير هذا القانون لأجيال مقبلة وليس لجيل من كتبه فقط مع الأخذ في الاعتبار أنه أصدر هذا القانون قانون المنافسة قانون شيرمان الأمريكي، كاستجابة وكخطوة لمواجهة السيطرة التي كانت تمارسها سكك القطارات وشركات النفط.
والعجيب أنه على الرغم من قساوة وصرامة هذا القانون عندما تم إصداره في البداية من وجهة نظر التجار على الأقل، إلا أن هذا القانون لم يقف عائقا في وجه الاقتصاد الأمريكي، وعلى الرغم من قسوة وصرامة هذا القانون إلا أنه لم يمنع من ظهور وصعود الشركات الأمريكية عالميا وتصدرها العالم.
وبالتالي الاستفادة من تجربة قانون المنافسة الأمريكي تتطلب حذرا شديدا، ومعرفة تامة بالأهداف خلفه وفلسفته ـــ أو على الأقل وجود هدف واضح له ـــ، وكيفية التعامل مع هذا النوع من القوانين وفقا لآلية مرنة متطورة تمتاز بالشفافية والوضوح، والعمل المؤسسي وفق رؤية عميقة طويلة المدى تتطور على قواعد وإجراءات وأسس علمية صحيحة.

إنشرها