FINANCIAL TIMES

التمويل الحديث يجب أن يتخلص من إدمان المؤشرات

يمكن بشكل معقول أن نطلق على العقد الأخير في الأسواق المالية اسم عصر التركيز على المؤشرات. فالارتفاع في الاستثمارات السلبية شهد انتقال مئات المليارات من الدولارات إلى صناديق المؤشرات، الأمر الذي تزامن مع تزايد الاعتقاد بأن المؤشر يمكن أن يستخدم لبنة رئيسية في الاستثمار.
والنتيجة الطبيعية لذلك كانت القبول شبه العالمي بأنه يمكن دراسة المؤشرات على مر الزمن لتقديم نتائج واسعة النطاق ونتائج محددة حول ما ينبغي للمستثمرين فعله بأموالهم. حاز روبرت شيلر، الأستاذ في جامعة ييل، جائزة نوبل لنظريته المستندة إلى تحليل التقييمات الرأسية للمؤشرات بهدف الحكم على عائدات سوق الأسهم في المستقبل. المعاونون أخذوا عمله وطبقوه، على نحو ما، على إدارة الأموال المهنية. وبات التمويل الحديث مدمنا على تفسير العالم من خلال المؤشرات.
بالنسبة إلى المدخرين في الحياة اليومية تواصل المؤشرات تقديم قيمة عملية بوصفها وسيلة بسيطة للدخول في تعاملات في الأسهم والسندات. وبالنسبة إلى معظم الناس ربما تبقى الشكل الأسوأ للاستثمار، بصرف النظر عن كل الأشكال الأخرى التي تمت تجربتها. تبدأ المشكلات في الظهور عندما يستخدم المراقبون الأذكياء مشاهدات تاريخية حول المؤشرات للتوصل إلى نتائج كاسحة حول العالم اليوم ربما تكون أقل عقلانية بكثير مما يعتقدون.
التحليلات المستندة إلى المؤشرات في شكلها الفج تتخذ معيار تقييم مشترك، مثل نسبة السعر إلى الأرباح، وتقارن قيمة المؤشر اليوم على ذلك الأساس بمتوسطه التاريخي. والمنطق الأساسي في تلك التحليلات يقوم على أن سعر السهم يغلب عليه أن يتحرك باتجاه متوسطه التاريخي: إذا كان التقييم الحالي للمؤشر استنادا إلى أي مقياس مختار أعلى من متوسطه التاريخي حينها تكون الأسهم "مكلفة" بسبب ميل الأسواق للاستناد إلى المتوسط.
يوجد كثير من النسخ الشائعة لهذا التفكير، مع إمكانية القول إن الأكثر شيوعا يستند إلى نسبة السعر إلى الأرباح المرجحة دوريا، التي وضعها البروفيسور شيلر، التي تحاول تعديل النسبة "e" في الدورة الاقتصادية. "الجدل حول المزايا المحددة لهذه النسخة مستمر في الارتفاع، وليس هناك مجال لمناقشة هذا الموضوع في هذا المقال. مع ذلك وكملاحظة موجزة، هل من المعقول حقا تعديل أرباح "فيسبوك" دوريا من عام 2008 إلى عام 2018، أم أن ذلك مجرد كلام تحليلي فارغ؟ هل ينبغي لنا أن نضبط ونعدل مبيعات السيارات دوريا من عام 1930 إلى عام 1920"؟
هناك موضوع كبير حول استخدام المؤشرات بهذه الطريقة لا يكمن في استخدام العودة إلى المتوسط التاريخي كمفهوم، بل في أن مجموعة البيانات التي تستخدمها لاشتقاق المتوسط تغيرت بشكل كبير بحيث يمكن ألا تقدم لنا متوسطا معقولا نستطيع العودة إليه.
ولا تزال المؤشرات الحديثة إلى حد كبير تبُنى على أساس كل دولة على حدة. والمستثمرون الراغبون في الاستثمار في الأسهم الأمريكية سيختارون مؤشر ستاندرد آند بورز 500، والحريصون على الاستثمار في الأسهم الإسبانية سيختارون مؤشر آيبكس 35 ... وهلم جرا. في الماضي كان ذلك أمرا معقولا لأن معظم المكونات كانت تنفذ غالبية أعمالها في أسواقها المحلية. لكن هذا لم يعد صحيحا، وهذا يثير تساؤلات ومشكلات عند التوصل إلى نتائج كبيرة حول السوق اليوم استنادا إلى المؤشر في الماضي.
كثير من الشركات المهمة المدرجة على مؤشر ستاندرد آند بورز 500 تستمد قدرا متزايدا من مبيعاتها من خارج الولايات المتحدة. على هذا النحو، الرسوم البيانية التي اعتادت أن تحاول قياس نسبة المؤشر إلى الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة على مر الزمن لا تعود معقولة. شركة أبل، أكبر مكون في هذا المؤشر، تبيع المزيد خارج الولايات المتحدة أكثر مما تبيع داخلها. هل هي شركة أمريكية، أم شركة عالمية؟ بالمثل، تحقق الشركات المدرجة في مؤشر آيبكس الإسباني 34 في المائة فقط من المبيعات في الداخل، و46 في المائة خارج الاتحاد الأوروبي. هل يعكس المتوسط التاريخي هذا التحول بكل دقة، وكيف ينبغي لنا حساب ذلك؟
ثمة مشكلة أخرى مختلفة في التحليلات المستندة إلى المؤشرات هي أنها تشير إلى تغييرات ضخمة في الأجزاء المكونة لتلك المقاييس المعيارية مع مرور الوقت. ويصبح هذا معوقا بشكل خاص بالنسبة إلى الذين يعتمدون على مضاعِفات المتوسط التاريخي للأسعار في مؤشر ما للتوصل إلى نتائج تتعلق باليوم. أوضح كل من إيلوري ديمسون وبول مارش ومايك ستونتون، من كلية لندن للأعمال، كيف أن أكثر من 60 في المائة من قيمة الأسهم الأمريكية المدرجة عام 1900 كان في قطاع السكك الحديدية. أما اليوم، فكثير من هذه القيمة يستأثر بها قطاع التكنولوجيا، الذي ظهر للعيان كفئة في فترة حديثة نسبيا وتعرض لتطور ضخم في العقد الماضي.
في الوقت نفسه، تزايدت بشكل هائل العائدات على رأس المال المستثمر في الشركات الأكثر ربحية والمدرجة في الولايات المتحدة منذ مطلع الألفية. وفقا لمعهد ماكينزي، ارتفعت عائدات رأس المال المستثمر، باستثناء اسم الشهرة، للشركات غير المالية التي لديها نسبة 90 في المائة من الربحية، لتصل إلى أعلى من 80 في المائة قبل الأزمة المالية ـ وما بعدها. وهذا يقارن بأقل من 25 في المائة لهذه الفترة الزمنية في السبعينيات.
هذا يعني أن الذين وضعوا تقييمات متوسطة في الماضي إلى جانب الذين يضعون التقييمات اليوم يقارنون بين الأعمال التي كانت تحتاج إلى كثافة في رأس المال في الماضي والأعمال المربحة بشكل أكبر بكثير التي تتداول بشكل منطقي مع مضاعِفات أعلى من تلك المضاعفات لدى شركات الصلب أو السكك الحديدية التي كانت مهيمنة قبل قرن من الزمن. مرة أخرى، كيف نقوم بتعديل وضبط ذلك عند التعامل مع مقارنات تاريخية؟ هل هناك حتى معنى لفعل ذلك؟
العالم آخذ في التغير بصورة دائمة. والتعامل مع المتوسط لا يروي القصة كاملة؛ غالبا هذا يحدث في الهوامش. وفي حين ربما يكون من المطمْئِن أن نلخص عوامل اللبس والتعقيد المذكورة في قياسات ومعادلات بسيطة، إلا أن هذا يرجح له أن يعطينا دائما صورة سطحية هي مجرد محاكاة للواقع.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES