الضرائب وتراجع واردات التبغ

|

كما كان متوقعا، فقد أسهمت ضريبة القيمة المضافة الانتقائية في خفض قيمة واردات التبغ في المملكة. هذه الضريبة على وجه الخصوص، تسهم أيضا في عملية تشجيع الناس على وقف استهلاك التبغ، أو على الأقل خفض الاستهلاك حفاظا على الصحة. والضرائب المفروضة على التبغ في البلدان المتقدمة عالية جدا، وأسهمت بالطبع في خفض أعداد المدخنين، ناهيك عن خفض تكاليف علاج الأمراض الناجمة عن التدخين. ففي بريطانيا مثلا يصل سعر علبة السجائر المكونة من 20 سيجارة إلى 70 ريالا، والأمر مشابه تقريبا في أغلبية البلدان الأوروبية. وقد ارتفعت هذه الضريبة بصورة تدريجية وتخضع أيضا للرفع السنوي عند مراجعة الموازنات العامة. ولذلك فإن تراجع واردات التبغ للمملكة كان منطقيا خصوصا أن هذا التراجع بلغ 1.74 مليار ريال، وهذه أموال مرتفعة بالفعل.
والتبغ هو السلعة الأكثر استهدافا بهذه الضريبة للأسباب المذكورة، لكن هناك أيضا سلع استهدفت بضريبة القيمة المضافة في السعودية مثل مشروبات الطاقة والمشروبات الغازية بأنواعها، وهذه أيضا ينظر إليها من الناحية الصحية على أنها ليست ملائمة لكل الفئات العمرية. واللافت أن واردات مشروبات الطاقة والمياه الغازية والمنكهة والمحلاة، ارتفعت في النصف الثاني من العام الماضي. لكن هذه الفترة لم تكن فيها الضريبة الانتقائية قد فرضت بعد. فهذه الضريبة تم العمل بها مطلع العام الحالي، والأمر يحتاج إلى عدة أشهر لمعرفة الآثار التي تركتها الضريبة المشار إليها على المشروبات الغازية. ولا شك أنها ستنخفض، ليس فقط بسبب الضريبة، ولكن جراء التوعية التي تقوم بها الجهات الصحية والاجتماعية، التي تحذر من مخاطر الإفراط في تناول هذه المشروبات.
في كل الأحوال، ستكون هذه الضريبة جيدة من مختلف النواحي، سواء عن طريق زيادة موارد الموازنة العامة، أو من جهة دفع الناس على تخفيف الاستهلاك ولا سيما في مجال التبغ والمواد المصنوعة منه. ففي البلدان المتقدمة هناك سلسلة جديدة من المخططات قد تتخذ العام المقبل في استهداف أطعمة الوجبات السريعة غير الصحية، لأنها تحتوي على كميات كبيرة من الدهون والسكر، كما أنها تجتذب الأطفال بصورة خطيرة. لذلك فإن هذه الضرائب ينبغي أن تكون شعبية لأنها تحقق أهدافا صحية يتطلبها المجتمع أي مجتمع. وبالتأكيد يبقى التبغ هو أسوأ السلع من هذه الناحية، نظرا لمخاطره الكبيرة على الصحة من كل النواحي.
من المتوقع أن تواصل واردات المملكة من التبغ في المستقبل، وربما كان الأمر يتطلب لاحقا رفعا جديدا لقيمة الضريبة عليها، كما يجري عادة في معظم البلدان. وهذا الرفع يعود في الواقع إلى دراسات السوق ما إذا كان ضروريا أم لا. والمثير في انخفاض واردات التبغ في السعودية أنها تمت خلال ستة أشهر، ما يعني أنها ستتواصل في الأشهر المتبقية من هذا العام. إنها تحولات حقيقية على الساحة السعودية، تدخل ضمن التحولات الكبيرة العامة التي تجري على الساحة الوطنية ككل. فالضرائب جزء لا يتجزأ من التنوع الاقتصادي، وهي ضرورية لمواصلة الإنفاق العام بصورة صحية لا استهلاكية. إنها المصدر الأول في الواقع لكل البلدان التي بنت اقتصادات قوية ومفتوحة.

إنشرها