FINANCIAL TIMES

من أجل اقتصاد رقمي أكثر تحضرا

هناك خصائص هيكلية عميقة للاقتصاد الرقمي تجعل كثيرا من الأسواق الإلكترونية عرضة للتركيز، والنتيجة هي استخلاص المنفعة والقوة السوقية المسيئة. سبق أن تناولنا مناهج السياسة الاقتصادية المناسبة لمعالجة هذه التحديات: تحسين الضرائب، والقانون التنظيمي الهادف إلى تغيير هيكل الأسواق التي تنطوي على مشاكل. لكن ما بعد التنظيم الهيكلي هناك نهج تنظيمي تكميلي آخر: سياسات تهدف إلى تغيير سلوك الشركات حتى داخل هيكل السوق الحالي. اليوم نختتم سلسلة استمرت أسبوعا حول السياسة الاقتصادية بشأن شركات التكنولوجيا الكبيرة مع نظرة على الأشكال الممكنة لهذا التنظيم السلوكي.
تستهدف بعض السياسات الهيكل والسلوك في آن معا: ومن الأمثلة على ذلك مطالبة شركات الإنترنت بمنح إمكانية الوصول إلى بعض خدماتها للآخرين. أساسا المبدأ الكامن وراء فرض المفوضية الأوروبية غرامة تبلغ 2.4 مليار يورو على "جوجل للتسويق" هو الآتي: أثبتت بروكسل أن من الخطأ أن تستخدم جوجل ميزتها في البحث لإعطاء خدمة التسوق المقارنة الخاصة بها استعراضا أفضل لمستخدمي الإنترنت. وهو مبدأ يمكن تعميمه على جميع أركان الاقتصاد الرقمي: في المجال الذي تسيطر فيه إحدى الشركات على البنية التحتية للإنترنت بهدف تحديد أو جمع أو التواصل بين المشترين والبائعين، ينبغي أن تكون هذه البنية التحتية متاحة على قدم المساواة لجميع القادمين. وهذا أيضا ما يجعل حيادية الإنترنت غاية في الأهمية.
تستهدف مجموعة أخرى من السياسات التنظيمية ما يسمح لشركات الإنترنت فعله حيال المنتجات والخدمات التي تقدمها. وقد مهد الاتحاد الأوروبي طريقا لتحويل التوازن من الشركات إلى المستخدمين عن طريق تقنين حقوق الخصوصية للمستخدمين. وقد وضع "الحق في النسيان" قيودا على كيفية توجيه محركات البحث لمستخدمي الإنترنت إلى معلومات عن الأفراد. والقواعد الجديدة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي تجبر عمالقة التكنولوجيا العالمية على زيادة الأمن والسيطرة التي يتمتع بها المستخدمون على البيانات التي يولدونها. وتدرس السلطات الألمانية لمكافحة الاحتكار جمع بيانات المستخدمين من موقع طرف ثالث مع زر فيسبوك مثل "أعجبني" أو "المشاركة"، الذي هو عنصر أساسي في أنموذج أعمال شركة الشبكة الاجتماعية.
يمكننا أن نلحظ مبدأين واسعين جدا، أحدهما أكثر وضوحا والآخر ربما أقل من ذلك. المبدأ الواضح هو فكرة أن مستخدمي الإنترنت – أي مستهلكي الخدمات مثل بحث جوجل والشبكة الاجتماعية على فيسبوك وغيرها - هم الذين يفعلون نشاطهم، حيث حقوق المعلومات المترتبة على ذلك النشاط الذي هو من صنع أيديهم، تستحق الحماية القانونية. أحد الآثار المترتبة على ذلك هو أنه يجب أن تكون لهم حماية قوية من حيث الخصوصية، وحقوق وقف استخدامات معينة أو حتى جمع البيانات عنهم. وهناك تأثير أكثر طموحا، لكنه منطقي بالقدر نفسه، وهو أن البيانات ملك للمستخدمين الذين يستحدثونها، أو يجب أن تكون كذلك.
حين نأخذ هذه الفكرة بجدية فإن هذا يشير إلى دور واضح جدا للحكومات: تعريف وحماية حقوق ملكية البيانات. وهذا يمكن أن يعني إلزام منصة الإنترنت أن تكون قابلة للتشغيل المتبادل مثل بورصات الأوراق المالية، وفعل الشيء نفسه على الشبكات الاجتماعية، كما يدعو إلى ذلك لويجي زينغاليس وجاي رولنيك، الأستاذان في إدارة الأعمال. وكما يشير تيم هارفورد، هذه هي الطريقة التي يعمل بها البريد الإلكتروني. وكذلك المواقع، وأرقام الهواتف النقالة، التي يمكن رؤيتها بغض النظر عن مزود الخدمة. لماذا لا تكون الشبكات الاجتماعية كذلك؟ في الواقع أن بيانات "الرسم البياني الاجتماعي" التي تجمعها فيسبوك حول مستخدميها يمكن أن تعامل على أنها ممتلكاتهم القانونية. روجر ماكنامي، وهو مستثمر مبكر ومستشار لفيسبوك، يدعو إلى إجراء مثل هذه الإصلاحات.
الوعد هنا ليس فقط ما يمكن أن نسميه "التحكم الإبداعي" – بمعنى أنه يمكن للمستخدمين إيقاف التراكم غير المرغوب فيه للبيانات عنهم - ولكن أيضا السيطرة التجارية. إذا كانت بيانات المستخدمين هي جزء من ملكية المستخدمين، يمكن أن يعرض عليهم تلقي رسوم مقابل استخدامها (للإعلانات، مثلا). مستهلكو الإنترنت يستطيعون حتى تطوير وعي طبقي جماعي باعتبار أنهم فعلا هم عمال البيانات. وهذا من شأنه أن يحول توزيع قوة السوق على الإنترنت، ويقف في وجه قوى الشر التي تجعل استخلاص المنفعة الاقتصادية أمرا سهلا إلى هذه الدرجة، حتى وإن بقي هيكل السوق على حاله بشكل واضح للجميع.
قلت إن هناك مبدأ ثانيا يفعل فعله. أقصد بذلك الشعور الحدسي الذي مفاده أن مزودي خدمات الإنترنت ليسوا مجرد "سباكين أغبياء" يعملون على توصيل الناس ببعضهم بعضا. خوارزمياتهم، في حين أنها قواعد آلية (بطبيعتها)، مصممة لتحقيق أنواع معينة من الوصلات. لكن آثارها التامة ربما تكون أرحب كثيرا من الأهداف الضيقة التي يهدف إليها صانعوها، وتستطيع في الأغلب أن تكون ضارة. وهذا يشتمل على التمييز بين الناس، والتضليل في المعلومات، وتشجيع المستخدمين على تكييف سلوكهم بما يناسب الخوارزميات. طبيعة الخوارزميات لها عواقب؛ إذا صممتها شركات الإنترنت بشكل مختلف، فإن من شأن العواقب أن تكون مختلفة كذلك. النتيجة التي لا مفر منها هي أن مزودي خدمات الإنترنت، كمبدأ عام، ينبغي ألا يتمكنوا من الإفلات من مسؤولية ما تفعله خوارزمياتهم.
بطبيعة الحال من المستحيل بشكل عام أن نعلم ما هي القوانين التنظيمية السلوكية الملموسة التي يشتمل عليها ذلك. لكن هذا يشير بالتأكيد إلى أن نعامل النشاط الخوارزمي بالمعايير نفسها التي نطبقها على الطريقة القديمة في تنفيذ الأمور: المسؤولية التحريرية عن نوعية المحتوى الذي تدخله إحدى الخوارزميات أو تخرجه من المنظور العام، والمسؤولية القانونية عن التمييز في تزويد الخدمة على أساس مقارن بالخيارات البشرية التي نطبقها بشأن التمييز سيكون أمرا مقبولا، واحتمال العثور على التواطؤ في أعمال الشر التي يتم تسهيلها أو التشجيع عليها من خلال الخوارزميات الموجودة على خدمة الإنترنت.
تمكين مستخدمي الإنترنت بحقوق ملكية قوية بشأن بياناتهم، وتحميل شركات الإنترنت المسؤولية بشكل قوي عن خوارزمياتها، هي أشكال من القوانين التنظيمية السلوكية التي يمكن أن تغير بشكل جذري الطريقة التي تستخدم بها الإنترنت اليوم. ويمكن أن ينظر إليها على أنها تجعل الإنترنت أكثر تحضرا.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES