FINANCIAL TIMES

الإحصاء.. الدقة المفرطة يمكن أن تكون مضللة

إدراك الخلفية قبل معرفة باعث أفلام الجريمة
من بين جميع الادعاءات الإحصائية في العالم، تظهر هذه الإحصائية الجذابة في صحيفتك أو أحد منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، مُجهزة للتأثير. لماذا؟ من أين جاءت؟ لماذا تراها؟
في بعض الأحيان تكون الإجابة أقل قليلا من مؤامرة: شركة علاقات عامة أرادت بيع الآيس كريم، لذلك دفعت لأكاديمي مُقامر لوضع: "معادلة لفترة ما بعد ظهر يوم صيف مثالية"، ثم نشرت بيانا صحافيا في يوم أخبار هادئ، ولفتت الانتباه في بيئة وسائل إعلام تتوق للنقرات.
أو أن متبرعاً سياسياً ضخ بضعة ملايين من الدولارات في مؤسسة فكرية متعاطفة مع اتجاهاته، على أمل طرح بعض مواضيع النقاش.
كثيراً ما تكون الإجابة بريئة، إلا أنها غير سارة: تحيز النشر. الدراسة التي تؤكد ما عرفناه في الأصل: التدخين يُسبب السرطان - من غير المرجح أن تكون بمنزلة خبر.
دراسة مع نتيجة مدهشة – ربما كان التدخين لا يُسبب السرطان قبل كل شيء - تستحق أن تكون عنواناً رئيساً.
هناك دراسة جديدة قد تكون أُجريت بشكل صارم، لكن من المحتمل أن تكون خاطئة: يجب أن يوازنها المرء مقابل عقود من الأدلة المناقضة.
تحيّز النشر مشكلة كبيرة في الأوساط الأكاديمية. النتائج المُدهشة تُنشر، كما أن الدراسات غير ذات التأثير، يغلب عليها الظهور في مجلات أقل، هذا إذا ظهرت على الإطلاق.
إنها مشكلة أكبر بكثير في مجال الإعلام - ولربما أكبر بكثير في وسائل التواصل الاجتماعي، بالذات، أو الإعلام الاجتماعي بشكل عام.
على نحو متزايد، نرى الادعاء الإحصائي، لأن الناس مثلنا اعتقدوا أنه كان يستحق نقرة إعجاب على موقع فيسبوك.
ديفيد سبيجلهالتر، رئيس الجمعية الإحصائية الملكية، يقترح ما يدعوه "مبدأ جروشو". جروشو ماركس استقال بشكل شهير من أحد الأندية – مجادلاً بأنه طالما أنهم قد قبلوه كعضو، فإنه ليس بمنزلة نادٍ.
يشعر سبيجلهالتر بالطريقة نفسها بشأن كثير من الادعاءات الإحصائية التي تصل إلى العناوين الرئيسة أو منشورات وسائل الإعلام الاجتماعي.
ويوضح فكرته قائلاً: "إذا كانت مدهشة أو غير بديهية بما يكفي لتجذب انتباهي، فمن المحتمل أن تكون خاطئة".

من المستحسن ملاحظة المشاعر
فحصنا الخلفية وفهمنا الادعاء المُقدّم. الآن عليك وضع الأشياء ضمن منظور معين. قبل بضعة أشهر، سألني مواطن مرتعب على موقع تويتر عما إذا كان صحيحاً أنه في المملكة المتحدة، كان يتم إلقاء سبعة ملايين فنجان قهوة تستعمل لمرة، يومياً.
لم يكُن لدي إجابة. (بحث سريع على الإنترنت يكشف تكرار الادعاء الذي لا يُحصى، لكن بدون مصدر واضح).
كان لدي سؤال بديل: هل هذا رقم كبير؟ عدد سكان المملكة المتحدة هو 65 مليون نسمة. إذا استخدم شخص واحد من أصل 10 فنجانا للاستعمال مرةً كل يوم، فهذا يكفي.
كثير من الأرقام تعني القليل إلى أن نتمكن من مقارنتها بكمية معروفة أكثر. من المفيد معرفة عدد فناجين القهوة التي يتخلص منها الشخص العادي أكثر من معرفة عدد الفناجين التي يتم إلقاؤها من قِبل بلد بأكمله.
ولا يزال من المفيد أكثر معرفة ما إذا كان يتم إعادة تدوير الفناجين (عادةً لا يتم ذلك، مع الأسف) أو ما نسبة فناجين القهوة للاستعمال مرة، من تدفق النفايات في البلاد (ليس كثيراً، هو تخميني، لكن قد أكون مخطئاً).
لذلك ينبغي أن نسأل: ما مدى كون الرقم كبيراً مقارنة بأشياء أخرى قد أفهمها بشكل بديهي؟ ما مدى كونه كبيراً مقارنة بالعام الماضي، أو قبل خمسة أعوام، أو 30 عاماً؟ من الجدير النظر إلى هذا الاتجاه التاريخي، إذا كانت البيانات متوافرة.
أخيراً، احذروا من "الأهمية الإحصائية".
هناك اعتراضات فنية مختلفة للمصطلح، بعضها مهم، لكن أبسط نقطة يُمكن تقديرها هي أن الرقم يُمكن أن يكون "مهماً إحصائياً، بينما لا يحظى بأية أهمية عملية.
في عصر البيانات الكبيرة، من الممكن لمؤثر ما إزالة عقبة فنية ذات دلالة إحصائية، على الرغم من ضآلتها.
كانت إحدى الدراسات قادرة على الإثبات أن الأجنّة عُرضة لموجة حر وهم في الرحم، كانوا يكسبون أقل كبالغين. النتيجة كانت مهمة إحصائياً، لكن الأثر كان تافهاً: 30 دولارا من دخل مفقود سنوياً.
كون أن النتيجة قوية إحصائياً، لا يعني أنها مهمة؛ كلمة "أهمية" تحجب ذلك.

عصر صور أجهزة الكمبيوتر
تبدو بعض تصورات البيانات الأكثر سحراً مثل رسومات مرسومة يدوياً من قِبل أمثال منى شلبي ورسام الكاريكاتير راندال مونرو.
على أن هناك ما هو أكثر من السحر بالنسبة لهذه الصور: تستخدم شلبي تمايل قلمها لتذكيرنا بأن معظم الإحصاءات، لديها هامش من الخطأ. مخطط جهاز كمبيوتر يُمكن أن يمنح وهم الدقة على ما قد يكون حالة غير مؤكدة للغاية.
كتب كارفيث ريد في كتاب "لوجيك" (1898)، "من الأفضل أن نكون محقين بشكل غامض من أن نكون مخطئين بوضوح".
الدقة المفرطة يُمكن أن تُضلل الناس. عشية الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2016، منح موقع التوقعات السياسية فايف ثيرتي إيت دونالد ترمب فرصة للفوز بنسبة 28.6 في المائة.
بطريقة ما هذا أمر مُثير للإعجاب، لأن نماذج التوقعات الأخرى بالكاد منحت ترمب أي فرصة على الإطلاق. كيف يُمكن لأي شخص تبرير النقطة العشرية على مثل هذا التوقع؟ لا عجب في أن كثيرا من الناس فوتوا الرسالة الأساسية، وهي أن ترمب كانت أمامه فرصة جيدة. "واحد من كل أربعة" كان من الممكن أن يكون دليلا أكثر حدسية بكثير لمفارقات التنبؤ.
الدقة المبالغ فيها تكلفة أخرى: إنها تجعل من الصعب بدون داع تذكر الأرقام والتعامل معها.
لذلك، احتضن عدم الدقة. مخصص خدمة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة يبلغ نحو 10 مليارات جنيه شهرياً.
الدخل الوطني في الولايات المتحدة يبلغ نحو 20 تريليون دولار سنوياً. هل يُمكن أن نكون أكثر دقة بشأن هذه الأشياء؟ وجود أرقام تقريبية في ذهني يجعلني أحكم بسرعة كبيرة عندما يكون - مثلاً - زيادة إنفاق بقيمة 50 مليون جنيه أو خفض الضرائب بقيمة 20 مليار دولار جديرة بالاهتمام، أو خطأ تقريبيا.
قاعدتي المفضلة هي أنه نظراً لوجود 65 مليون نسمة في المملكة المتحدة، وميل الناس إلى العيش لفترة أطول قليلاً من عمر 65، فإن حجم المجموعة النموذجية - كل شخص يتقاعد أو يترك المدرسة في عام معين - سيكون نحو مليون شخص. نعم، إنه تقدير تقريبي - لكن أن يكون صحيحا بشكل غامض، غالباً ما يُعتبر جيدا بما فيه الكفاية.

الفضول فضيلة رئيسة تحفزنا على العمل
لذا، فإن نصيحتي هي: كن فضولياً جيداً في شأن الإحصاءات. الفضول فضيلة رئيسة لأنها تُشجعنا على العمل بجد أكثر لفهم ما يُقال لنا، والتمتع بالمفاجآت أثناء ذلك. الفضول ليس سيئاً، إلا للقطط فحسب. هذا جزئياً لأن أي بيان إحصائي يُثير تساؤلات: من يدّعي هذا؟ لماذا؟ ماذا يعني هذا الرقم؟ ما المفقود؟ يجب أن نرغب - على حد قول المُنظم الإحصائي البريطاني إيد همبفرسون في "القيام بنقرة أخرى".
إذا كانت الإحصاءات جديرة بالمشاركة، أليس من الجدير فهمها أولاً؟ العصر الرقمي مليء بالفخاخ المعلوماتية – لكنه يتيح في المقابل، يسر النظر بشكل أعمق قليلاً إليها، قبل أن تلتقط عقولنا نظرة خاطفة على إحدى الإجابات.
في حين أن الفضول يمنحنا الدافع لطرح سؤال آخر أو القيام بنقرة أخرى، إلا أنه يمنحنا شيئا آخر، أيضاً: الرغبة في تغيير رأينا.
بالنسبة لكثير من الادعاءات الإحصائية المهمة، لقد وصلنا بالفعل إلى نتيجة. نعرف بالفعل ما تعتقده قبيلتنا عن الناس ذوي التفكير الصحيح بشأن خروج بريطانيا، والسيطرة على الأسلحة، والتطعيم، وتغير المناخ، وعدم المساواة أو التأميم - ولذلك من الطبيعي تفسير أي ادعاء إحصائي، باعتباره إما شعارا نحتفي به، وإما تهديدا يجب تجنبه.
يُمكن أن يضعنا الفضول في مزاج أفضل للمشاركة في المفاجآت الإحصائية. إذا تعاملنا معها على أنها لغز يجب حله، من الأرجح أن نقع في مخالفة إحصائية، لكننا أيضاً سنكون أكثر انفتاحاً عند مواجهة أدلة جديدة صارمة.
في بحث مع آشلي لاندروم، كاتي كاربنتر، لورا هيلفت وكاثلين هول جاميسون، اكتشف دان كاهان أن الفضوليين بشكل جوهري بشأن العلوم - وهم موجودون عبر الطيف السياسي – يغلب عليهم أن يكونوا أقل استقطاباً في استجابتهم لأسئلة عن مواضيع حساسة من الناحية السياسية. علينا التعامل مع المفاجآت على أنها لغز وليس تهديدا.
أظن أن إسحق عظيموف هو الذي قال: "أكبر عبارة مثيرة في العلم ليست "وجدتها"، وإنما "هذا أمر طريف".
هذا التعليق الساخر يشير إلى حقيقة مهمة: إذا تعاملنا مع سؤال مفتوح على أنه أكثر إثارة من جواب أنيق، فإننا نكون في طريقنا لنصبح أكثر حكمة.

في النهاية
البطاقة البريدية تستوعب نحو 50 كلمة، وستة أوامر. هذا بسيط بما فيه الكفاية، كما أرجو، بالنسبة لشخص يرغب في القيام بمجهود صادق لتقييم – ولو بصورة موجزة – الادعاءات الإحصائية التي تظهر أمامه.
بيد أنني أخشى من أن هذا الاستعداد أكثر المواضيع إثارة للجدل.
قال دونالد ترمب، حينما كان مرشحا للرئاسة، وتحداه بيل أورايلي حول كذبة بشعة، أعاد تغريدتها حول العلاقة بين الأمريكيين السود وجرائم القتل: "اسمع يا بيل. هل يفترض بي أن أدقق في كل إحصائية؟".
ترمب لديه وجهة نظر هنا - نوعا ما. بطبيعة الحال، كان يجدر به أن يطلب من شخص ما التأكد من هذه الإحصائية، قبل أن يدلي من ميكروفون ضخم بادعاء كاذب وعنصري. نحن نعلم جميعا الآن، أنه ببساطة لم يكترث للحقيقة.
عذر ترمب سوف يكون قد مس وترا حساسا لدى الكثيرين، حتى الذين يشعرون بالارتياع من احتقاره للدقة (وأشياء كثيرة غيرها).
لقد أدرك أننا جميعا من البشر. نحن لا ندقق في كل شيء. لأننا لا نقدر على ذلك. وحتى لو توفرت لدينا جميع الخبرة الفنية في العالم، لا توجد طريقة بأن يتوافر لدينا الوقت لذلك.
هدفي أكثر تواضعا. أريد أن أشجع أنفسنا جميعا على بذل الجهد أكثر قليلا: أن نكون منفتحين ذهنيا بدلا من أن نكون في موقف دفاعي، وأن نسأل أسئلة بسيطة حول ما تعنيه الأشياء، ومن أين تأتي، وما إذا كانت مهمة في حال كانت صحيحة.
والأكثر أهمية من ذلك كله، أن نُظهِر ما يكفي من الفضول حول العالم، لكي نعلم الأجوبة عن بعض من هذه الأسئلة – ليس من أجل إعلاء حُجتنا، بل لأن العالم مكان يخلب اللب.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES