الناس

مساجد طيبة .. عمارة بين القديم والحديث تروي سيرة المدينة المنورة

تزخر طيبة الطيبة بالمساجد التاريخية التي تعبر عن الفترة الزمنية لعهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إذ يحرص المعتمرون وزوار المدينة المنورة على زيارتها حيث جاء في الأثر أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وصحابته رضوان الله عليهم أدوا الصلاة فيها أو كانت عامرة بنزول الوحي.
ويعد مسجد قباء الذي يأتي في مقدمة المساجد التي تزخر بها المدينة النبوية ويقع في الجنوب الغربي من المدينة، أول مسجد أسس على التقوى وأكبر المساجد بعد المسجد النبوي وكان مربع الشكل طول ضلعه 40 مترا وفيه قبة يقال إنها مكان مبرك ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن آثار المسجد القديم حجر منقوش بالخط الكوفي القديم يبين تاريخ عمارة المسجد عام 435هـ، وفقا لـ"واس".
وشارك الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في بناء مسجد قباء الذي يبعد عن المسجد النبوي مقدار نصف ساعة مشيا، ثم جدده الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وزاد فيه ولما اعترا المسجد الخراب جدده من بعده الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز عندما كان أميرا على المدينة المنورة وأقام له المئذنة في الفترة (87 / 93 هـ)، أما في سنة 435هـ تم وضع المحراب به وفي عام 555هـ جدده كمال الدين الأصفهاني ثم جددت عمارته عدة مرات في الأعوام (671 - 733 -840 -881 هـ) في عهد الدولة العثمانية وكان آخرها في عهد السلطان محمود الثاني وابنه السلطان عبدالمجيد عام 1245 هـ.
وفي العهد السعودي الزاهر تمت توسعة مسجد قباء ليستوعب 20 ألف مصل وقامت الجهات المعنية بنزع ملكية الأراضي والعقارات المحيطة به وكلفت أحد أمهر المكاتب الهندسية المتخصصة في العمارة الإسلامية لتصميم المسجد على نسق المسجد القديم، والمسجد مستطيل الشكل روعي في تصميمه أن يكون به فناء داخلي يتوسط المسجد تفتح عليه جميع المداخل وخصص الجزء الشمالي منه مصلى للنساء بمداخل منفصلة وبعيدة عن مداخل الرجال وهو من دورين وللمسجد أربع مآذن وبه 56 قبة وملحق به سكن للأئمة والمؤذنين ومكتبة، حيث تبلغ مساحة أرض المسجد 13.5 ألف متر مربع ومساحة مبانيه 5860 مترا مربعا خصص منها للنساء 7000 مصل. ومن أبرز معالم طيبة الطيبة أيضا مسجد القبلتين سمي بذلك لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة أثناء الصلاة فيه ويطلق عليه مسمى مسجد بني سلمة لوقوعه في قرية بني سلمة ويقع المسجد على هضبة مرتفعة من حرة الوبرة في طرفها الشمالي الغربي بالنسبة للمدينة .
على عرصتي وادي العقيق بمساحة 3920 مترا مربعا، كما تحتضن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا مسجد الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري أو مسجد السجدة الواقع في الجهة الشمالية من المسجد النبوي وسمي مسجد السجدة لسجود الرسول صلى الله عليه وسلم فيه سجدة طويلة ويقال له مسجد الشكر لسجود النبي فيه سجدة الشكر ويقال أيضا عنه مسجد البحيري لوقوعه عند بستان النخيل الذي عرف بالبحير.











أما مسجد الغمامة أو مسجد المصلى الواقع بالقرب من المسجد النبوي عند الجنوب الغربي منه فيعد من أبرز مساجد المدينة المنورة ويبعد نصف كيلو متر من باب السلام في المسجد النبوي ونحو 305 أمتار من التوسعة السعودية الثانية للمسجد النبوي وكانت تصلى فيه صلاة العيدين حتى أواخر القرن التاسع ثم نقلت إلى المسجد النبوي، وعلى بعد 385 مترا شمالي مقبرة بقيع الغرقد يقع مسجد الإجابة الذي لا يبعد كذلك عن المسجد النبوي بعد توسعته إلا بضعة أمتار فقط من الجهة الشمالية الشرقية له، واشتهر هذا المسجد بهذا الاسم "الإجابة" لحادثة رواها مسلم في صحيحه حيث قال روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية حتى مر بمسجد بني معاوية ودخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا، فقال: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالسنة (الجدب وهو انقطاع المطر) فأعطانيها وسألته أن لا يهلك أمتي بالفرق (الفزع) فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها.
ومن أهم المعالم التي يزورها القادمون إلى المدينة المنورة من ضيوف الرحمن والمعتمرين زوار مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم كل عام المساجد السبعة التي هي وفقا للروايات ستة مساجد وليست سبعة ولكنها اشتهرت بهذا الاسم وتقع في الجهة الغربية من جبل سلع عند جزء من الخندق الذي حفره المسلمون في عهد النبوة للدفاع عن المدينة المنورة عندما زحفت إليها قريش والقبائل المتحالفة معها سنة خمس للهجرة.
ويروى أنها كانت مواقع مرابطة ومراقبة في تلك الغزوة وسمي كل مسجد باسم من رابط فيه عدا مسجد الفتح الذي بني في موقع قبة ضربت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أما مسجد الفتح فهو أكبر تلك المساجد وسمي هذا الاسم لأنه مصلى رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام وتلك الغزوة كانت في نتائجها فتحا على المسلمين.
ومن المساجد السبعة مسجد الصحابي الجليل سلمان الفارسي الذي يقع جنوبي مسجد الفتح مباشرة على بعد 20 مترا منه فقط في قاعدة جبل سلع وسمي باسم سلمان الفارسي لأنه صاحب فكرة حفر الخندق لتحصين المدينة من غزوة الأحزاب وهو يتكون من رواق واحد طوله وعرضه سبعة أمتار ودرجة صغيرة عرضها متران إلى جانب مسجد أبي بكر الصديق الذي يقع جنوب غربي مسجد سلمان على بعد 15 مترا منه وبني وجدد مع المسجدين السابقين وقد هدم الآن ليعاد بناؤه وتوسيع مساحته ويليه مسجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه جنوبا على بعد عشرة أمتار منه فقط وهو على شكل رواق مستطيل وله رحبة غير مسقوفة على صورته يرتفع عن الأرض ثماني درجات وطريقة بنائه تطابق بناء مسجد الفتح وربما يكون قد بني وجدد معه.
ومن هذه المساجد السبعة أيضا مسجد الإمام علي بن أبي طالب، وآخر هذه المساجد السبعة مسجد فاطمة الزهراء الذي يسمى في المصادر التاريخية مسجد سعد بن معاذ وهو أصغر مساجد هذه المجموعة مساحته تقريبا 12 مترا مربعا وله درجة صغيرة، وقد رممت هذه المساجد جميعها في الوقت الحاضر مع المحافظة على شكلها التراثي كما قامت أمانة المدينة المنورة بتحسين المنطقة وتشجيرها فغدت كأنها حديقة واسعة تتخللها مبان صغيرة.
ويعد مسجد العنبرية من مساجد المدينة الأثرية بناه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1326هـ - 1908م ليكون جزءا من مشروع محطة قطار الحجاز الذي يربط بين المدينة ودمشق إلى جانب مسجد السقيا بباب العنبرية في المدينة المنورة وهو مسجد صغير تعلوه ثلاث قباب يقع على مساحة 56 مترا مربعا بلا مئذنة وتصميم بنائه عثماني وأعيد ترميم المسجد في العهد السعودي سنة 1423 - 1424هـ وترجع تسمية المسجد لوقوعه قرب "بئر السقيا" الذي كان ملكا للصحابي سعد بن أبي وقاص وقد توضأ وشرب منها الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يستسقى له منها، وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله أعيد بناء وتجديد وفرش جميع تلك المساجد مع الحفاظ على الطراز المعماري الإسلامي الخاص بها لتظل شاهدا على حرص قيادة هذه البلاد منذ توحيدها على رعاية بيوت الله والعناية بها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من الناس