أخبار اقتصادية- محلية

830 مليون ريال واردات البن في عام .. هل هجر السعوديون منازلهم؟

يقول الشاعر الكبير راكان بن فلاح آل حثلين
يا محلا الفنجال مع سيحة البال
في مجلسا ما فيه نفسا ثقيلـه
هذا ولدعم وهذا ولـد خـال، وهذا رفيقـا ما لقينـا مثيلـه، وبهذا المعنى ارتبط السعوديون بالقهوة منذ زمن الخيل وبيت الشعر، إلا أنه عندما يصل الأمر إلى أن تقف لانتظار طاولة أو مقعد للجلوس في أحد المقاهي، أو تضطر أحيانا للحجز من بداية اليوم إذا كانت إجازة نهاية الأسبوع أو هناك مباراة كرة قدم، فإن ذلك يدعو للدهشة.
وعندما يتم تدشين نحو 500 مقهى جديد في العاصمة الرياض وحدها خلال عام واحد، ويصبح مكان اللقاء المفضل للشباب السعودي هو المقاهي، فذلك يعني أن السعوديين هجروا منازلهم ومجالسهم، التي كانت المصدر الأول لتناول القهوة والشاي على مدى عقود من الزمن، حيث استبدلوها بالمقاهي الحديثة أو حتى تلك الشعبية .. فهل هذا صحيح؟
هذا الإقبال الكبير على الجلوس في هذه المقاهي، جعل "الاقتصادية" تطرح السؤال وتجعل من الأرقام لغة للإجابة عنه، وكذلك الجولة المصورة، حيث أصبح انتشار "الكوفي شوب" في كل حي ومنطقة في الرياض مثلا، مشهدا مألوفا، بعد أن كانت محصورة في الطرق الرئيسة والأحياء الكبيرة، كما أن الإقبال لم يعد حكرا على الشباب، بل أصبح من كل شرائح المجتمع عليها، بمختلف الأعمار ذكورا وإناثا، عائلات وعزابا .. وإليكم خلاصة حكاية السعوديين مع المقاهي:

لماذا المقهى وليس المنزل؟
في شارع الأمير محمد بن عبد العزيز (التحلية سابقا) الذي يعج بمحال "الكوفي شوب"، قمنا بطرح سؤال لرواد تلك المقاهي من سعوديين وغيرهم .. لماذا المقهى وليس المنزل؟
يقول عبد المجيد السليم "أذهب لمتاجر القهوة لعدم قدرتي على تحمل تكاليف آلة القهوة ذات الجودة العالية التي تستخدمها المتاجر المختصة، حيث إنني من عشاق القهوة المختصة، ولا يشبع رغبتي إلا الجودة العالية التي تقدمها الآلات والعمالة المحترفة "الباريستا" كما يطلق عليهم في عالم القهوة"، مضيفا أن المسألة ليست مرتبطة بالمكان بل بنوع القهوة في المقام الأول، إلا أنه أكد أن تتطور شكل المقاهي في السعودية في الفترة الأخيرة جعل منه أحد زوارها بشكل روتيني.
على النقيض من ذلك يرى محمد السيف أن الهدوء والأجواء التي تمنحها بعض المقاهي، وتنوع أصناف المأكولات والحلويات التي تقدمها هي التي تجعل منه زائرا دائما لها.
ويضيف "في الأغلب أذهب لمقابلة الزملاء والأصدقاء في هذه المقاهي، "مشيرا إلى صديقه عبد العزيز الطخيس الجالس أمامه على الطاولة.. عبد العزيز قادم من خارج مدينة الرياض ودعوته للكوفي شوب للجلوس وتبادل الأحاديث بدلا من جلسة المنزل التي قد تكون مملة".
وأشار السيف إلى أن الثقافة في المجتمع السعودي بدأت تتغير، إذ لم تعد المبالغة في إكرام الضيف بالتكاليف العالية من ولائم عشاء وحلويات وغيرها التي قد تصل في بعض الأحيان إلى آلاف الريالات هي معيار المحبة والصداقة، بل أصبحت الأمور البسيطة أكثر قبولا ـــ على حد قوله.
وهنا نعود لعبد المجيد السليم الذي يتفق مع ما ذهب إليه السيف حيث يقول" نعم أفضل أن ألتقي ضيفا في الكوفي شوب على المنزل خاصة إذا كانت هناك مباريات كرة قدم أو إجازة نهاية الأسبوع، لأن أجواء الكوفي شوب تعطي طاقة إيجابية بالنسبة لي، لما فيها من حياة وحركة مستمرة، ومنها التلذذ بالقهوة أيضا.
ويتابع "يبلغ متوسط إنفاقي على القهوة 30 ريالا يوميا، وفي المجمل أرى أن الأسعار تعتبر جيدة، وقهوتي المفضلة دائما وأبدا هي اللاتيه".
عبد العزيز الطخيس أحد الضيوف يؤيد كلام صديقه "العزيمة في المنزل تكلف أهل البيت ماليا وبدنيا، بترتيب وتجهيز وإعداد كل ما يخص الضيف، وهذا يأخذ وقت ومجهود أكثر من شخص في العائلة، بعكس الكوفي شوب الذي يعطيك أجواء بالخروج ورؤية الناس، ولا تقارن تكلفته بالعزيمة في المنزل، ماديا وبدنيا ويختصر الوقت بشكل كبير".
لكن بالحديث عن الإنفاق فإن هناك تفاوتا كما يظهر من حديث رواد تلك المقاهي بعد أن كان متوسط إنفاق عبد المجيد السليم 30 ريالا شهريا، يقول، محمد السيف إن متوسط إنفاقه على زيارات الكوفي شوب يصل إلى 120 ريالا للزيارة الواحدة، وإن الأسعار في المجمل تعد مناسبة، وقهوته المفضلة هي القهوة التركية والقهوة الأمريكية.

حجم السوق والمقاهي
ولأن لغة الأرقام هي أفضل لغة للحديث عن حجم الاستهلاك فإن أرقام المصلحة العامة للجمارك تكشف أن إجمالي واردات المملكة من البن في 2017 بلغت 58.784 ألف طن، وبقيمة تجاوزت 832.5 مليون ريال، مقارنة بأرقام 2016، التي بلغ فيها حجم الواردات (51.784 ) طن وبقيمة (675.062.319) ريالا بزيادة بلغت 18.9 في المائة في القيمة و11.9 في المائة في حجمها.
وتكشف بيانات مصلحة الجمارك التي خصت "الاقتصادية" بنسخها منها أن إثيوبيا واليمن والهند والبرازيل وإيطاليا وأمريكا والصين الشعبية والكويت وكندا وكينيا، هي أبرز الدول التي تستورد منها المملكة القهوة.
في المقابل أفصحت لـ "الاقتصادية" أمانة منطقة الرياض، أن عدد الرخص الصادرة لنشاط المقاهي في مدينة الرياض لعام 2017 بلغ 486 ترخيصا جديدا بزيادة بلغت 6 في المائة عن العام السابق له، حيث بلغت في عام 2016 "457" ترخيصا، وبلغ عدد المخالفات الصادرة لنشاط المقاهي لعام 2017 "686" مخالفة.
وتظهر بيانات أمانة منطقة الرياض أن عدد المقاهي الجديدة التي دشنتها الشركات أو رواد الأعمال من السعوديين والسعوديات بلغ في عامين فقط أكثر من 940 مقهى.

تجارة القهوة
يقول لـ "الاقتصادية": محمد التويجري المدير التنفيذي لشركة خطوة جمل، وهو أحد رواد الأعمال في هذا المجال، إن أساس الفكرة بدأ عام 2014 عندما وجد الطلب العالي في الرياض والمنطقة على القهوة ذات الجودة العالية والمصنفة تصنيف عاليا ومحمصة بشكل احترافي".
ويضيف "كان الوعي تجاه القهوة ومحاصيلها ضئيل جدا في السعودية والمقاهي التي تقدم القهوة المختصة لا وجود لها ما أتاح الفرصة لإيجاد سوق جديدة تعنى بالقهوة والقهوة وحدها، ومع مرور الوقت خصوصا في السنوات الأخيرة التمسنا في "خطوة جمل" تقدما هائلا في ذائقة الشريك السعودي وتطورا في حرص شركائنا على الحصول على الأفضل ما دفعنا إلى الاستثمار في محاصيل متنوعة من القهوة حول العالم الأمر الذي دفع تجارة القهوة إلى التزايد بشكل إيجابي سنة بعد سنة".
وأشار التويجري إلى أن حجم استيرادهم من البن سنويا يبلغ نحو 150 طنا، ويزداد كل عام، وهذا يدل على ارتفاع ثقافة المستهلك السعودي بالقهوة، موضحا أن هناك عديدا من المحاصيل التي تحرص الشركة الحصول عليها لجودتها العالية وملاءمتها لذائقة المستهلك السعودي.
كما بين التويجري أن المحاصيل قد تختلف ذائقتها من موسم إلى آخر ومن سنة إلى أخرى وهو التحدي الذي يجبرهم على التعاون من بداية المحاصيل مع المزارعين لضمان جودة تلك المحاصيل ودعما للمزارعين للاستمرار في تقديم الأفضل.
وأكد أنه على التاجر في مجال القهوة المختصة التأكد من جودة القهوة وتجربتها على مراحل وفترات متعددة، حيث إن القهوة المختصة يتم تقييمها من مراكز عالمية مخصصة لهذا المجال، مبينا أن اليابان وكوريا وأمريكا من الدول التي اشتهرت بالقهوة المختصة.
ومن المعوقات التي تواجه المستثمرين في قطاع القهوة في السعودية، بحسب التويجري وعدد من المستثمرين الآخرين هي ندرة القهوة المختصة مقارنة بالقهوة المتعارف عليها، حيث إن حجمها يساوي أقل من 5 في المائة من إنتاج القهوة عالميا، وهذا يجعل الحصول عليها أصعب، وسعرها أغلى من القهوة العادية كسعر خام ومنتج نهائي.
كما أن من المعوقات بعض الإجراءات البيروقراطية في الاستيراد أو تجهيز المشروع من قبل البلديات والدفاع والمدني، إلى جانب ضعف التمويل من المصارف أو جهات التمويل الحكومية لهذه المشاريع.
وأوضح التويجري أن الاستثمار في مجال القهوة المختصة سواء في مجال تجارة البن أو الحمص أو التقديم يعد مستقبلا واعدا في السوق السعودية لكن يجب توخي الحذر وأخذ خطى مدروسة.
يذكر أن 70 في المائة من العاملين في "خطوة جمل" هم من الكوادر السعودية.
من جهته، ذكر سعد العبد الهادي ومحمد المواش مالكا "جرام قهوة" أن ثقافة القهوة المتزايدة لدى المجتمع السعودي وتوجه الطلب إلى القهوة المختصة في المملكة هما الدافع الذي جذبهم إلى الاستثمار في هذا القطاع، حيث يعي المجتمع أن القهوة المختصة تختلف عن القهوة لدى العلامات التجارية المشهورة عالميا.
وعن المعوقات التي واجهتهم كمستثمرين قالوا إنهم لم يواجهوا صعوبات وتحديات تذكر تمنعهم من امتلاك الكوفي شوب، بل إن مجتمع القهوة من المستثمرين وملاك الكوفي شوب تعاون معهم بشكل أخوي وكبير دون مقابل مادي وأي تردد أو انزعاج، وأن البعض منهم يبادر ويعطي نصائح دون سؤال لكيلا يقعوا في الخطأ، وهذا الأمر شجعهم على الانطلاق والاستثمار في عالم القهوة، خصوصا في ظل الطلب المتنامي عليها في السوق المحلية.
وأشاروا إلى أنه لا يمكن الحكم على نوع القهوة الأكثر مبيعا بحكم أن الكوفي شوب افتتح حديثا ولم يمر إلا شهر واحد على الافتتاح، مشيرين إلى أنه وبشكل عام الأذواق مختلفة، فيوجد طلب على كل نوع، ولا يمكن التحديد.
وأكد العبد الهادي والمواش أنهما يحضران القهوة من محمصة سعودية، وأن الأنواع هي القهوة الإثيوبية والبنمية والقهوة الهندية، وأن القهوة الإثيوبية هي التي عليها الطلب الأعلى وذات الجودة الأفضل بين البن، كما أن لديهم القهوة الهندية، وهي تتكون من ثلاثة أنواع من القهوة مختلطة مع بعضها، وأن تكلفة المشروع بلغت ما بين 150 و170 ألف ريال.

ما آراء المستهلكين؟
وبالعودة لزوار المقاهي وآرائهم في الخدمات التي تقدمها المقاهي، يقول عادل الأخرص "تحتاج أحيانا إلى فترة نقاهة ومتنفس بعيد عن العمل ولا تستطيع أن تجتمع مع الأصدقاء في المنزل كل يوم، لذا أصبح الكوفي شوب مكانا أكثر ملاءمة لتجمع الأصدقاء، خصوصا مع الخدمات الجيدة التي تقدمها تلك المقاهي سواء كانت مشروبات أو أكلا أو حتى محطات تلفزيونية رياضية أو ألعاب مثل البلايستيشن وغيرها.
وأضاف "لا يمكن أن أدعو ضيفا على الكوفي شوب، ما زلت متمسكا بالعادات والتقاليد العزيمة يجب أن تكون في المنزل، ولكن الأصدقاء يمكن أن تأخذهم إلى المقهى وليس الضيف".
وأشار الأخرص إلى أن متوسط إنفاقه يبلغ 30 ريالا في الزيارة الواحدة ويعتقد أن الأسعار مبالغ فيها جدا في كثير من المقاهي، وتحتاج إلى ضبط ومراجعة من الجهات المعنية.
وزاد "لدي آلة لتحضير القهوة في المنزل ولكن مقابلة الأصدقاء والخروج للتفسح يجذباني للجلوس في الكوفي شوب، والقهوة الأمريكية (البلاك كوفي) هي قهوتي المفضلة".
آلاء الأسمري من ناحيتها، تقول لـ "الاقتصادية" إن المميزات التي تجذبني للكوفي شوب هي الجودة في التحضير والجلسات الجميلة، كما أنها مكان ملائم لإتمام واجب الاجتماع مع الأصدقاء بين فترة وأخرى.
وأضافت الأسمري "يبلغ متوسط إنفاقي 50 ريالا على الزيارة الواحدة، وأرى أن الأسعار عالية ويجب أن تنخفض، فكل أموالي تذهب على القهوة "تقولها ضاحكة"، وقهوتي المفضلة هي اللاتيه وأنا من عشاق ومحبي هذه القهوة.
أبو عبد الله وهو آخر المتحدثين لـ "الاقتصادية" يقول "أفضّل الوسطية وأحب الجلوس في "الكوفي شوب" والمنزل أيضا، التغيير مطلوب ولكن باعتدال، فهناك الواجبات الأسرية ولا يجب إهمالها والجلوس في الكوفي شوب بشكل دائم وطويل".
وأضاف "المقاهي تعتبر متنفسا للابتعاد عن ضغوط العمل والأسرة، وهي مكان جيد للاختلاء بالنفس والاستمتاع بشرب القهوة، ومقابلة الزملاء والأصدقاء أيضا، ليجدد الإنسان نشاطه ويطرد السلبية الناتجة عن الضغوط، التي تؤثر فيه وفي عمله ومع الأشخاص الذين من حوله، وأرى أن الكوفي شوب هو المكان الأمثل في الرياض الذي يطرد هذه الطاقة السلبية".
وانتهى أبو عبد الله إلى التأكيد أن الأسعار تعد جيدة ومقبولة، إذا أخذنا في الاعتبار تكلفة العمالة وإيجار المحل، خاصة في الأماكن والشوارع التجارية المعروفة في الرياض، إلا أن أكثر ما يهمه هو أن تقترن تلك الأسعار بجودة الخدمة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- محلية