التعامل مع مدير لا يفهم

|
نسمع هذه العبارة، والكثير غيرها، مما يختلف في اللفظ لكن يشبهها في المعنى، التي تقول "إن المدير لا يفهم كيف يدير عمله". ربما تشير العبارة إلى أن المدير لا يعرف أفضل الطرق لإدارة العمل بشكل صحيح، أو يعرفها ولا يقوم بها، وربما تجاوزت إلى تأكيد غياب المنطق والحكمة في تعامله. هل يمكن فعليا أن يكون مستوى فهم المدير متدنيا لدرجة أن من يعمل معه يلاحظ ذلك ويتحدث عنه؟ تصعب الإجابة دون تشخيص عادل، لكن هذا النوع من اختلاف الفهم والتصورات وارد، والمنظور الذي يستخدمه كل طرف يؤثر فيما يقال ويتم التعبير عنه. تنحصر المشكلة في ثلاث حالات، وكل حالة تتطلب أسلوبا مختلفا للمعالجة. الحالة الأولى أن المدير يفهم ما يقوم به، لكن من حوله، لسبب ما، لا يرون ذلك. الحالة الثانية أن المدير لا يفهم ما يقوم به، وهناك خلل فعلي في ممارساته. والحالة الثالثة أن يكون المدير فعلا لا يفهم كثيرا من التفاصيل، لكن هذا متوقع وطبيعي، و يجب ألا يعد مشكلة، بل على العكس، يكون عدم الفهم هنا علامة إيجابية ممتازة! إذا نظرنا إلى الحالة الأولى نجد أن المدير يفهم ما يجب أن يقوم به، ويؤدي عمله بشكل ملائم. لكن المشكلة أن الموظف لا يرى ذلك، فهو يعتقد أنه لا يفهم، ولا يعي تفاصيل عمله، ويصدر قرارات خاطئة تضر بالأشخاص والإجراءات والوقائع، وتعود بالنتائج السلبية على المنشأة. بل إن بعض الموظفين يعتقد أنه لو كان في مكان المدير لجعل المنشأة ناجحة بأقوى المقاييس، بينما هو في الواقع لا يجيد التعامل مع أضعف التحديات التي يواجهها رئيسه بشكل يومي. في سياق مثل هذا نجد أننا نتحدث عن مشكلة وجود تصورات خاطئة لدى الموظف. ينشأ التصور الخاطئ من جهة الموظف، لكن ليس بالضرورة أن يكون الموظف هو السبب فيه، فقد يكون المدير كذلك سببا لصنع التصورات الخاطئة عند الموظفين، كيف؟ تنشأ التصورات الخاطئة عن المديرين والإدارة لعدة أسباب، لكن من أهمها ضعف التواصل الإيجابي وتدني مستوى الشفافية. فما يسمعه الموظف يختلف عما يراه، وهذا يقوض الثقة ويفتح المجال للمشاعر السلبية وتبادل السخط والإشاعات والأحكام الفجة. كذلك، يدار كثير من الأنشطة في الخفاء أو بشكل يثير الريبة ويفتح المجال للشك. غياب العدالة بين الموظفين، أو الظهور بمظهر يوحي بالظلم لبعض الفئات العاملة، يفسح المجال للتفسيرات التي لا تستند إلى الحقائق، التي تكون أرضية خصبة للتصورات الخاطئة. أما إذا كان الموظف هو سبب التصورات الخاطئة، فهو إذاً يبني أحكامه على قلة الوعي والجهل بمنشأته وتحدياتها. بل إن بعض الموظفين يسارع بإطلاق الأحكام وهو لا يعي تفاصيل الوصف الوظيفي الخاص به، ولا حدود مسؤولياته، ناهيك عن أدوار غيره من الموظفين، بمن فيهم مديره المباشر. الحالة الثانية يعاب فيها على المدير ضعف فهمه وسوء ممارساته، وتكون هذه هي الحقيقة فعلا. هذا وارد جدا، فكما أن هناك مديرين جيدين هناك مديرون سيئون. لكن لا يعني اعتقادنا أن المدير لا يفهم أن نتحدث عن ذلك على الملأ ـــ وهذا خطأ كبير ـــ أو أن نترك المكان في اليوم التالي. هناك أربع خطوات مهمة ينبغي فعلها قبل أن نقوم بأي ردة فعل انفعالية. الأولى، أن نقيم الوضع بشكل جيد وعادل، وهذا يعني أن نفهم الأدوار المتوقعة من المدير ومن الموظف، ونقارن ذلك بالواقع، حتى نصل إلى تصور جيد حول الآثار التي تحصل بسبب أي إشكالات موجودة هنا. الثاني، أن ننظر إلى فرص تحسين الوضع، سواء تلك التي يمكن أن نقوم بها بشكل مباشر ـــ مثل لفت انتباه المدير إلى المشكلة ودعوته إلى إصلاحها ـــ أو في حال وجود جهود معينة على مستوى المنشأة، تعالج مثل هذا الأمر. ثالثا، تقييم الالتزامات والمنافع الناشئة من الوجود مع مدير بهذه الإمكانيات، هل هو شخص محفز وداعم على الرغم من عيوبه؟ أم يضمر سوء النية، إضافة إلى مشكلته العويصة! رابعا، إذا لم تنجح محاولة التعايش بعد التقييم الجيد وبذل الجهد لا يبقى إلا التخارج، وهناك مخرجان، الأول الانتقال داخل المنشأة، ويعتمد على ظروف المنشأة وطبيعتها، والآخر الانتقال خارج المنشأة، ولا يملكه إلا من يملك قدرا جيدا من الكفاءة والحرية المهنية. الحالة الثالثة، يكون فيها المدير أقل فهما للتفاصيل من موظفيه، سواء من الناحية العملية أو الفنية. وهذا الأمر ينال قدرا من النقد من الموظفين، على الرغم من أنه متوقع بل مطلوب في حالات كثيرة. يتقدم المدير في العادة بالخبرة على مرؤوسيه، إلا أنه مع الوقت يفقد الحس الفني الذي أوصله إلى ما وصل إليه، ويعزز مزيدا من الحس الإداري القيادي، إذ تتحول مهام المديرين مع التقدم الوظيفي إلى إدارة الأشخاص وليس المهام. لذا نرى كثيرا من المديرين الذين لا يستطيعون الإجابة عن الأسئلة الفنية في الاجتماعات، أو الذين يستعينون بشكل دائم بموظف فني مختص في مجاله. وهذا ليس عيبا، بل إن المدير الجيد يعرف كيف يوزع الخبرات داخل فريقه، ويستحضر عقول الآخرين لخدمة هدف الفريق. وهكذا نجد أن هذا المدير لا يفهم فعليا في كثير من المواضيع، لكنه مع ذلك ينجح في إدارة فريقه للوصول إلى أفضل النتائج.
إنشرها