ثقافة وفنون

سوق «اجتماعية» .. كل شيء للبيع حتى القيم والعلاقات

يعد مايكل ساندل (Michael Sandel) واحدا من الأسماء الثقيلة في الأوساط الفكرية الغربية، فأفكار الرجل؛ كانت ولا تزال، محط جدل ونقاش كبيرين بين مختلف الفاعلين في الجبهة الأكاديمية، لأنه لم يقف عند الحدود المرسومة سلفا، ولم يقتنع بالمسلمات التي فرضها سدنة "المعبد العلمي"، ولم يقبل اليقينيات المتوارثة بين المشتغلين في حقل الاجتماع الإنساني.
فيلسوف وسياسي أمريكي وأستاذ في جامعة هارفارد، اشتهر بنقده للمفكر جون راولز (John Rawls)؛ أحد مؤسسي تيار الليبرالية الاجتماعية، والفيلسوف الأكثر أهمية في القرن العشرين، في كتابه الشهير الموسوم بعنوان "الليبرالية وحدود العدالة" الصادر سنة 1982.
يعمل هذا الفيلسوف المثير للجدل وفق الأسلوب السقراطي في السجال والمجادلة، فالفلسفة من وجهة نظره "تغرّبنا عن المألوف، ليس عبر تزويدنا بمعلومات جديدة. وإنما عبر دعوتنا وحثّنا على النظر بطريقة جديدة".
أضفى ذلك مسحة خاصة على ما يطرح ساندل من آراء في محاضراته (سلسلة شهيرة عن العدالة بجامعة هارفرد)، وأفكار في مؤلفاته ("الفلسفة العامة: محاولة في تخليق السياسية" 2005، "العدالة ما الجدير أن يعمل؟" 2010، "ما لن تشتريه النقود" 2012). إذ إلى جانب قوة الفكرة، والابتعاد عن التجريد، نجد فيها تماسا شديدا مع الواقع الغربي، ما مكَّنه من عرض ومناقشة أقسام كثيرة من أنماط الفكر في العالم الغربي، بشكل مثير يجعل المتلقي والقارئ يشك أحيانا في مدى سلامة ملكة التفكير لديه.
على غرار من سبقوه لرحاب التفلسف، لم يبق الرجل حبيس حدود دائرة الفلسفة السياسية الضيقة، بل تعداها إلى مناقشة موضوعات راهنة وقضايا ومؤرقة، يتقاطع فيها ما هو سياسي بما هو اقتصادي، ويتداخل الاجتماعي مع الثقافي، وأحيانا يمتزج هذا بذاك، فينكشف أسلوب الرجل بجلاء من خلال ما يطرحه من مقاربات لتلك المشاكل والوضعيات.
أحيانا يصدم الكاتب قراءه، بأفكار غالبا ما يتردد الفرد في القبول بها، في الوهلة الأولى من التلقي. لكن توالي الأدلة، وتوارد الحجج، واسترسال التحليل، يفرضون عليه ذلك فرضا. ومنها قوله مثلا: «إن الذين يدفعون الثمن نادرا ما يكونون المسؤولين عن الأخطاء»، وقوله في سياق آخر بأن: «السوق الاقتصادي هو أداة قيّمة لتنظيم الإنتاجية.. لكن السوق الاجتماعية هي مكان حيث كل شيء للبيع.. حتى القيم والعلاقات».
تكشف الإجابة التي قدمها هذا الفيلسوف في معرض جوابه عن سؤال كيف نصل إلى مجتمع تعددي؟ عن جوانب من أسلوبه حيث يقول في تحليله: «إذا اعتبرنا أن خلافاتنا حول الأخلاق والدين متعلقة بخلافاتنا حول الحق والعدل، فكيف لنا أن نجد طريقا نحو مجتمع يحترم الرأي الآخر الذي نخالفه؟ يعتمد هذا، برأيي، على طريقة فهمنا لمفهوم الاحترام. فمن وجهة نظر ليبراليّة، يتم احترام القناعات الأخلاقية والدينية لإخوتنا في المجتمع – إن جاز التعبير- بتجاهل تلك القناعات لأهداف سياسية، بالتسامي عليها، طرحها أو تنحيتها جانبا، بعدم الاقتراب من تلك المعتقدات الأخلاقيّة والدينيّة، وبالمضيّ قدما في نقاشاتنا السياسية بدون الإشارة لها».
يسترسل في الشرح والتوضيح مضيفا: «لكن تلك ليست الطريقة الوحيدة أو الأمثل للوصول إلى الاحترام المتبادل الذي تعتمد عليه الحياة الديمقراطيّة. هناك مفهوم آخر يتم بموجبه احترام الآخر لا من خلال تجاهله بل من خلال إشراكه، عن طريق الاستماع لآرائه والتعلم منها حينا، وعن طريق تحدّيها ونقدها حينا آخر. ولكن ليس هناك أيّ ضمانة في أن تؤدّي سياسة تعطي اهتماما ودورا للأخلاق والدين إلى وضع توافقي في أيّ حال من الأحوال، وليست هناك ضمانة أنها ستؤدي إلى تقدير أكثر للرأي الآخر. بل من الممكن أحيانا أن يؤدي تعلمنا المزيد حول عقيدة ما إلى نقصان إعجابنا بها. ولكن احترام هذا المنهج في التشاور والمشاركة يظهر أنه الخيار الأنسب والأكثر كفاءة في بحثنا عن المجتمع التعدّدي. وبما أن اختلافاتنا الأخلاقية والدينية تعكس إلى حد ما تعددية صفاتنا الإنسانيّة، فإني أعتقد أن حياة سياسية تشجع على المزيد من التشارك من الممكن أن تساعدنا في تقدير واحترام الصفات الإنسانيّة المختلفة التي تمثّلها حياة كل منّا».
تعاطى مايكل ساندل مع قضايا شغلت الإنسانية عبر تاريخها الطويل، منها مسألة "أولوية الحق على الخير"، حيث عمل على دحض مختلف الحجج المقدمة قصد إثبات هذا الادعاء، كعدم قابلية مفهوم "الخير" للتحديد، واختلافه من فرد لآخر، ما يفرض تقديم الحق عليه، وفي المقابل يعتبر أن العدالة متصلة بالخير لا مستقلة بذاتها.
حاول تطبيق نظرته حول تقديم "الخير على الحق"، وليس كما يدعي الليبراليون ومنهم جون رولز بتقديم الحق على الخير، قائلا: «دعونا نتأمل حالة الحرية الدينية نتساءل لماذا يجب أن تحظى ممارسة شعيرة من شعائر الدين بحماية دستورية خاصة؟ قد يرد جون رولز والليبراليون عموما أن الحرية الدينية هي مهمة لنفس السبب الذي يجعل الحرية بصورة عامة مهمة».
بمعنى أن الحرية الدينية جزء من الحرية العامة حيث يستطيع الناس أن يكونوا أحرارا في العيش المستقل، ويختاروا ما يروقهم من القيم التي يريدون تبنيها. لكن وضع الحرية الدينية في نفس المستوى مع الحرية بشكل عام، إنما ينم عن التطلع الليبرالي إلى الحياد، لأن احترام الحرية الدينية بحسب ساندل ينبغي أن يكون لما يمثله هذا المعتقد الديني من دور ومكانة في "الحياة الخيرة"، والفضائل التي يسعى لتحقيقها، وميله لترقية العادات الدينية مما يؤهل أفراده ليكونوا مواطنين صالحين.
يقدم ساندل في مختلف آرائه وجهات نظر جديدة، لا تركن إلى السائد والمألوف، ولا تجنح للاختلاف لذاته، وإنما تستند بالأساس إلى السعي نحو تحقيق التراكم، والعمل وفق منطق الاستيعاب والتجاوز؛ بما يتناسب وتطورات الحياة المعاصرة.
ما أحوج العالم العربي إلى الاطلاع على أفكار الرجل أولا، والعمل على استيعابها ثانيا، لما تطرح من محاذير حيال العديد من المخاطر الداخلية التي تحدق به، وما تقدمه من حلول للكثير من الأزمات التي تنخر في جسم هذا الوطن العليل.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون