FINANCIAL TIMES

بريطانيا تتطلع للعب دور كندا مع أمريكا .. في أوروبا

عندما تهدأ الأمور وتستقر، أين سينتهي المطاف بالمملكة المتحدة؟ ستصبح على غرار علاقة الاتحاد الأوروبي مع كندا. ستكون لها علاقة اقتصادية - تجارية مع الاتحاد الأوروبي.
سترتبط بريطانيا بالاتحاد الأوروبي بطريقة لا تختلف عن علاقة كندا مع الولايات المتحدة. وستظل دولة ديمقراطية في منتصف الطريق، مثل كندا، ولن تصبح كما أشار ديفيد ديفيس، وزير الدولة من أجل البريكست، ذلك لواقع المرير المختل الذي نجده في أفلام "ماكس المجنون" الذي يقود سباقا تنظيميا نحو القاع.
وأخيرا، مثل كندا، يمكن لبريطانيا أن تسعى إلى تأثير عالمي إيجابي بشكل متواضع.
ميشيل بارنييه، كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي أوضح تماثل العلاقات التجارية المستقبلية للمملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، للاتفاق الاقتصادي والتجاري الشامل بين الاتحاد الأوروبي وكندا، أو ما يعرف بـ"سيتا".
يسمح هذا الاتفاق للجانبين بالدخول في صفقات منفصلة مع شركاء آخرين. كما يضع كندا خارج الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فإن اتفاق سيتا يوفر فوائد محدودة لمقدمي الخدمات.
وكما يشير بارنييه فإن "الخطوط الحمراء" في المملكة المتحدة هي: عدم قبول الخضوع للولاية القضائية الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية، غياب حرية للحركة، عدم دفع أي مساهمة مالية مستمرة كبيرة، والاستقلالية في السياسة التنظيمية والتجارية – بما يمنع العضوية في المنطقة الاقتصادية الأوروبية.
وتستبعد هذه الخطوط الحمراء أيضا اتفاقا مماثلا للاتفاق مع سويسرا.
معارضة المملكة المتحدة لسلطة محكمة العدل الأوروبية، والمطالبة بحكم ذاتي تنظيمي يحول دون اتفاق شراكة مثل اتفاق أوكرانيا. المطالبة بسياسة تجارية مستقلة تحول دون التوصل إلى اتفاق اتحاد جمركي، مثل الاتفاق المبرم مع تركيا.
عندما يستبعد كل ما هو مستحيل، فإن ما يتبقى هو اتفاق على غرار الاتفاق المبرم مع كندا.
ومن المرجح أن يثبت بارنييه أنه على حق. أحد أسباب الاعتقاد بذلك هو أنه عادة ما يكون على حق. سبب آخر هو أن الخطوط الحمراء جزء عميق لا يتجزأ عن المملكة المتحدة. مالكولم ريفكيند، وهو وزير خارجية سابق محافظ، محق في قوله إن من غير المحتمل أن تقبل المملكة المتحدة التزاما باتباع القوانين التنظيمية للاتحاد الأوروبي، دون أن يكون لها صوت فيها. وإذا كانت على استعداد للتنازل عن ذلك، سيكون من الأجدى منطقيا أن تسحب طلبها بالخروج من الاتحاد الأوروبي.

نموذج "سيتا" يفرض تكاليف اقتصادية أفدح على لندن
على وجه الخصوص، سوف يتعين على موردي السلع في المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي تلبية القواعد حول المحتوى المحلي، في حين أن موردي الخدمات البريطانيين سوف يفقدون إمكانية الوصول المواتية القائمة.
لتجنب هذه النتائج، ستحتاج المملكة المتحدة إلى تغيير خطوطها الحمراء أو إقناع الاتحاد الأوروبي بتغيير موقفه بشأن أمور أساسية.
وحول الموضوع السابق، قد تتخلى المملكة المتحدة عن رغبتها في استقلال السياسة التجارية من أجل الانضمام إلى اتفاق اتحاد جمركي.
وقد تقبل حرية الحركة، وبذلك يكون لها اتفاق مماثل لاتفاق سويسرا. بل إنها قد تقبل دورا جوهريا في محكمة العدل الأوروبية، ولكن أيا من هذا لا يبدو مرجحا في الوقت الراهن.
وفيما يتعلق بالخدمات، تأمل الحكومة في عملية "التباعد المدار"، حيث يعترف الاتحاد الأوروبي بالقوانين التنظيمية الجديدة في المملكة المتحدة باعتبارها مكافئة في الهدف، إن لم يكن بالتفصيل، لأهداف الاتحاد الأوروبي.
من المرجح أن يرفض الاتحاد الأوروبي ذلك: لا يمكن أن يكون لدى المملكة المتحدة أمران جيدان في نفس الوقت؛ فهذا من شأنه أن يشكل سابقة خطيرة؛ إذ سيكون من الصعب الاتفاق على هذا التباين ورصده؛ وسوف يتطلب ذلك الثقة في النوايا الحسنة في المملكة المتحدة - وهي ثقة تجعل مناقشة بريطانيا لها أمرا أكثر صعوبة.
ويثني كثيرون على فرصة القضاء على القانون التنظيمي المرهق للاتحاد الأوروبي، دون أن يكونوا دقيقين حول ما ينبغي أن يحدث.
يعتقد البعض في المملكة المتحدة أن صناعة الخدمات المالية في البلاد تجلب بركات عظيمة للاتحاد الأوروبي، بحيث أن هذا الأخيرة يجب أن يبذل أقصى ما لديه من جهود، من أجل إبقاء الخدمات المالية البريطانية داخل السوق الواحدة.
كان الجدال لصالح ذلك أسهل قبل الأزمة المالية. وعلاوة على ذلك، سيظل الوصول إلى أسواق الجملة في المملكة المتحدة قائما، حتى لو فقد الموردون في المملكة المتحدة امتيازات "القيام بأعمال في المنطقة الاقتصادية الأوروبية".
بالتالي الرحلة الأكثر احتمالا، من خلال توقف مؤقت لمدة قد تصل إلى عامين، هو صفقة على غرار كندا. صحيح أن ذلك قد يترك مشكلة الحدود الإيرلندية دون حل. ومن شأنه أيضا أن يفرض تكاليف لا يستهان بها.
ويخلص تحليل الحكومة البريطانية الذي تم تسريبه أخيراً إلى أنه في ظل هذه الصفقة، فإن الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة، قد يكون أقل بـ 5 نقاط مئوية بخلاف ذلك المتوقع عقب 15 عاما – أي خسارة نحو خُمس الزيادة المحتملة في الإنتاج بحلول ذلك الوقت.
في هذا الصدد، بطبيعة الحال، فإن موقف المملكة المتحدة يختلف كثيرا عن كندا: عاد اتفاق سيتا بالفائدة على كندا؛ لكن مثل هذه الصفقة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستضر بالمملكة المتحدة، على أن هذا هو حصاد ما غرسه قرار مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، أي "البريكست".
وبمجرد مغادرة الاتحاد، فإن المملكة المتحدة، مثل كندا، سيكون لديها حرية أكبر بشأن نظامها التنظيمي، إلا أن من الممكن أن نراهن على أن انفجارا في الالتزامات التنظيمية والضريبية والإنفاق العام في المملكة المتحدة لن يحدث.
من حسن الحظ، في المملكة المتحدة، كما هو الحال في كندا، هناك قليل من الدعم لمثل هذه السياسات المتطرفة.
ومرة أخرى، مثل كندا، سترغب المملكة المتحدة في إبرام صفقات تجارية جديدة. وستسعى إلى الانضمام إلى اتفاقات التجارة الحرة القائمة وإبرام اتفاقيات جديدة.
الصعوبة هنا هي أن الصفقات المهمة مع الولايات المتحدة أو الصين أو الهند ستكون صعبة التحقيق، والصفقات السهلة مع أستراليا أو كندا مثلا ستكون غير مهمة.
وعلاوة على ذلك، ينطبق القانون الحديدي في التجارة: مع تساوي الأمور الأخرى، تتقلص التجارة إلى النصف حين تتضاعف المسافة.
وهذا يفسر لماذا تعتبر المملكة المتحدة شريكا تجاريا مهماً للاتحاد الأوروبي كالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي بدوره هو الشريك المهيمن في العلاقات التجارية مع المملكة المتحدة.
على أن الصفقات الجديدة لا يمكن أن تعوض ما سوف تخسره. وعلاوة على ذلك، خلافا للآراء التي قدمها معهد ليجاتوم في لندن، فإن المملكة المتحدة لن تكون الزعيم الجديد في حراك التحرير العالمي، فهي ليست كبيرة بما فيه الكفاية، للعب مثل ذلك الدور (خاصة في ظل الدور الأمريكي، وتعاظم التنامي العظيم للصين) في هذا السياق.
ستظل المملكة المتحدة بحاجة إلى علاقة مثمرة مع الاتحاد الأوروبي. كما أن بريطانيا مصدر قوة أكبر بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، من قوة كندا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن لديها اقتصادا أكبر من كندا (أكبر من اقتصاد كندا بنحو الضعف)، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الاتحاد الأوروبي ليس دولة فيدرالية لديها قوات مسلحة ضخمة.
غير أن المملكة المتحدة غالبا ما ستجد جارتها محبِطة ومتسلطة. وثمن كونها جهة خارجية سيكون واضحا ودائما. ويبقى أن الخيارات الكبيرة لها عواقب كبيرة، في المقابل.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES