FINANCIAL TIMES

أوزبكستان تستشرف الانفتاح مسدلة الستار على حقبة كريموف

في سمرقند، مدينة طريق الحرير القديمة في أوزبكستان، بالقرب من المدارس الدينية ذات القباب الزرقاء في ميدان ريجستان المركزي، لا يزال الشباب الأوزبكي يتدافع لالتقاط صور السلفي بالقرب من تمثال الراحل الرئيس السابق إسلام كريموف.
بعد مضي 17 شهرا على موت كريموف، هنالك دلائل على أن الدولة التي صنفتها هيئة مراقبة الحرية والديمقراطية في مرتبة توازي كوريا الشمالية، فيما يتعلق بالحقوق السياسية والحريات المدنية، قد بدأت تخفيف القيود.
خليفة كريموف، شوكت ميرزيوييف، وضع أكاليل الزهور على تمثال الأول، أواخر الشهر الماضي فيما كان سيعتبر مناسبة عيد ميلاد الراحل الـ 80. في اليوم التالي، اتخذ خطوة كان يبدو قبل عام مضى أنه لا يمكن تصورها. لقد أقال، أو على الأقل أقصى جانبا، رئيس الشرطة السرية في أوزبكستان بعد خدمة امتدت 23 عاما، رستم عنياتوف.
كان الأخير أحد الأتباع الرئيسين لكريموف، ودعامة لنظام يعرف باستخدام أساليب قاسية مع المعارضين ونشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني والمنتقدين، عموماً.
في الوقت الذي كان يشكل فيه ميرزينويف جزءا من ذلك النظام القديم أيضا، كرئيس وزراء لمدة 13 عاما، كان إقصاؤه لعنياتوف الخطوة الأجرأ في سلسلة من الخطوات التي من الواضح أنها تهدف إلى بدء مرحلة انفتاح البلاد.
تم الإفراج عن 18 سجينا سياسيا رفيع المستوى- حتى إن كان لا يزال هنالك الآلاف في السجون – ورفع نحو 16 ألف شخص من قائمة أمنية سوداء تضم 17500 اسم من المتطرفين المحتملين، الذين منعوا من السفر أو الحصول على وظائف.
كما أطلقت "منصة استقبال افتراضية إلكترونية" يجري فيها تشجيع الشعب الأوزبكي على بث مظالمهم ضد السلطات، وقد شهدت مشاركة نحو 1.5 مليون شخص.
في أيلول (سبتمبر) الماضي، رفع القيود المفروضة على سعر صرف العملة الأوزبكية "سوم" – ما أدى من الناحية العملية إلى تخفيض القيمة بنسبة 90 في المائة، في المقابل أزال أكبر العوائق التي تواجه التجارة الخارجية والاستثمار. يشير أحد المسؤولين الأجانب بشكل حذر قائلا: "أوزبكستان بدأت في التحول".
هذا الربيع الأوزبكي قد تترتب عليه عواقب كبيرة. كمحور إقليمي ذي أهمية استراتيجية، أوزبكستان التي تضم 32 مليون نسمة هي الدولة الأكثر سكانا من بين جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقا في آسيا الوسطى، والدولة الوحيدة التي تجاور بقية الجمهوريات الأخرى كلها: قازاخستان وتركمنستان وطاجكستان وقيرغيزستان- إضافة إلى أفغانستان.
إن تعمقت جهودها الإصلاحية، فإنها قد تظهر إقليما يهيمن عليه قادة كبار في السن، وأن التغيير السياسي أمر ممكن بعدهم.
إضافة إلى تعزيز التكامل لمنطقة تضم 100 مليون نسمة، فإن تخفيف حالة الانعزالية قد تجعل من أوزبكستان دولة مشاركة في "اللعبة الكبيرة الجديدة"، من شاكلة الصراع بين روسيا والصين والولايات المتحدة، لكسب النفوذ في قلب أوراسيا.
في الوقت الراهن، فإن تحولات ميرزيوييف اقتصادية أكثر من كونها سياسية، فالتزامه بالتحرر السياسي ما زال في البدايات.
الرئيس المنتخب في كانون الأول (ديسمبر) من عام 2016، بنسبة تصويت بلغت 88.6 في المائة، لم يلتزم بالسماح بمعارضة سياسية، ناهيك عن انتخابات حرة.
ولا يزال كثير من الأجهزة الأمنية في البلاد دون مساس. حتى مع عزل رئيس الشرطة السرية، لا يزال بإمكان جهات الضغط القوية، بما فيها البيروقراطية المتضخمة في الدولة، إحباط تلك التغييرات.
وفي إقليم يخيم عليه التطرف - الذريعة الظاهرية لاستخدام قوات الشرطة للوحشية مع المعارضين - فإن تخفيف القيود على أمل تحفيز الاقتصاد أمر يحمل في ثناياه كثيرا من المخاطر.
أليشر كورمانوف، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأوزبكي، يقول إن الانتقال السلمي بعد موت كريموف، يبين أن أوزبكستان قد اجتازت بالفعل "اختبارا قويا".
ويضيف: "لقد سمعنا كثيرا من المتشائمين يقولون إن الفوضى ستحل في البلاد، وإن آسيا الوسطى ستنهار، وإن الراديكالية أو التطرف سينتشر، لكننا أثبتنا أننا مستعدون لخوض مرحلة جديدة من الإصلاحات الأعمق. نحن نمر بموجة تحول كبيرة".
حكم كريموف البلاد فترة 27 عاما منذ أواخر الحقبة السوفياتية. وقبضته القوية كان لها الفضل في تماسك البلاد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتجنب الحرب الأهلية التي ألمت ببعض الدول المجاورة.
إلا أن نظامه اتخذ مسارا أكثر قتامة بعد أن أطلق النار على 187 متظاهرا على الأقل - وربما أكثر - في المدينة الجنوبية الشرقية أنديجان في عام 2005. في جزء كبير من حكمه، اعتمد الاقتصاد على ضوابط الرقابة على سعر الصرف، والحواجز التجارية التي تهدف إلى تحفيز الإنتاج المحلي.
المحرك الرئيس لإصلاحات خليفته هو الوظائف - أو الحاجة إلى إيجاد ما يكفي من الوظائف لسكان من الشباب والفئات ذات النمو السريع.
نحو 56 في المائة من الشعب الأوزبكي تقل أعمارهم عن 30 عاما، وأكثر من 600 ألف شخص يدخلون سوق العمل سنويا.
النمو البارز البراق الذي حققته أوزبكستان بنسبة تراوح بين 7 و8 في المائة سنويا من عام 2004 حتى عام 2016، كان من المفترض أن يعمل على إيجاد ما يكفي من الوظائف.
يولي يوسوبوف، خبير اقتصادي مستقل، يقول إن الأرقام الرسمية التي تعتمد نظريا على أسعار الصرف القديمة المبالغ فيها، "لا صلة لها بالحقيقة".
ويضيف: "رئيسنا السابق كان قد أمر بأنه ينبغي إحداث نمو بنسبة 8 في المائة. لذلك اكتفوا بكتابة تلك الأرقام، بكل بساطة، لتنفيذ أمره".
أخفق النموذج الاقتصادي الذي اعتمده كريموف في تحقيق الهدف، بحسب ما يقول يوسوبوف. لقد غادر ما لا يقل عن 10 في المائة من السكان البلاد، بحثا عن العمل في الخارج.
هنالك نحو 2.5 مليون نسمة منهم في روسيا، ومليون آخر في الدولة المجاورة قازاخستان. يقول فاروق، شاب أوزبكي يعمل سائق شاحنة في سمرقند، إن كثيرا من الأصدقاء غادروا البلاد.
ويردف: "ليس هنالك ما يكفي من الوظائف، وحتى إن حصلت على عمل في مصنع، ستحصل ربما على مليون سوم في الشهر" وهذا بسعر لا يعادل بسعر الصرف الجديد إلا نحو 120 دولارا. "لا يمكنك إطعام عائلتك بهذا المبلغ".
تم كشف مخاطر الهجرة الشهر الماضي عندما مات 52 مهاجرا أوزبكيا من وادي فرغانة الفقير والمكتظ بالسكان، في حريق مروع في حافلة كانت تعبر السهوب الكازاخية، وصولا إلى روسيا.
خلافا لسلفه كريموف، الذي قال ذات مرة إن المهاجرين هم بكل بساطة أشخاص "مصابون بالكسل على نحو لا يقدرون معه" على العمل في بلادهم، استخدم ميرزيويف هذه الحادثة المأساوية لتجديد تعهده، بإيجاد ظروف اقتصادية أفضل من أجل إغراء الشباب الأوزبكي بالعودة إلى البلاد.
قال ميرزيويف في اجتماع عام: "ماذا عساني أقول لعائلاتهم؟ لو كنا قد قمنا بعملنا على أكمل وجه، لما كانت قد حصلت مثل هذه الحوادث".
بعد مواجهة العنصرية والإقصاء الثقافي، ثبت أن بعض أفراد الشعب الأوزبكي معرض للتطرف في الخارج. سيف الله سايبوف، الذي قاد شاحنة وسط حشد من الناس في حي مانهاتن في تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي، كان أوزبكيا، كما كان الرجال المسؤولون عن الحوادث الإرهابية التي وقعت في ستوكهولم وإسطنبول، منهم كذلك.
إن كان جمع الثروة بغية الحد من خطر التطرف في الداخل وفي الخارج الدافع لإجراء الإصلاح، فإن هناك موضع حسد قازاخستان الأكثر حيوية من الناحية الاقتصادية، التي عمل رئيسها نورسلطان نزارباييف على إدارتها أيضا منذ الحقبة السوفياتية.
في ظل عدد سكان لا يتجاوز 18 مليون نسمة، اجتذبت قازاخستان- ذات سلطة أكثر تساهلاً واقتصاد سوق أكثر تحررا - استثمارات مباشرة خارجية بقيمة 152 مليار دولار في السنوات الـ 25 المنتهية في عام 2016، بحسب أرقام البنك الدولي، مقابل استثمارات بقيمة 9.6 مليار دولار فحسب، لأوزبكستان.
عندما توفي كريموف، كانت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الأوزبكي من حيث معادل القوة الشرائية أكثر من ستة آلاف دولار فحسب، مقابل نحو 25 ألف دولار سنوياً في قازاخستان.
الإصلاح الاقتصادي الأكثر جرأة حتى الآن هو جعل السوم عملة قابلة للتحويل بالكامل. يستطيع المستثمرون الأجانب الآن، الذين كانوا منذ فترة طويلة غير قادرين على تحويل كل المبالغ التي يحصلون عليها إلى عملات أجنبية، البدء في تحويل كميات كبيرة من الأوراق النقدية المحلية التي جمعوها.
إجراء جولة على كل الوكالات والوزارات في العاصمة طشقند - حيث لا يزال يشعر بعض المسؤولين الرسميين بالارتباك عند السماح لهم بالتحدث إلى صحافي غربي - يعني سماع قوائم مثيرة تتضمن خطوات سيتم اتخاذها مستقبلا.
في وزارة التجارة الخارجية، يقول الوزير الجديد الذي تلقى تعليمه في بريطانيا إنه تم تقليص الرسوم الجمركية على الواردات، وتستعد أوزبكستان لاستئناف محادثات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، بعد فجوة دامت عقدا من الزمن.
تم إنشاء سبع مناطق اقتصادية خاصة، ما يوفر إعفاءات ضريبية للمستثمرين. وقد أعلن ميرزيويف الشهر الماضي عن وقف اختياري مدته عامان لعمليات التفتيش المفاجئة للشركات - غالبا ما كانت تستخدم من قبل السلطات لمضايقة أصحاب المشاريع - ما لم يقدم المدعون العامون أدلة على وجود جريمة محتملة.
أعاد البنك الأوروبي للإعمار والتنمية، جهة الإقراض الوحيدة متعددة الأطراف ذات الولاية المحددة لبناء الديمقراطية، تشغيل عملياته التشغيلية في طشقند في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بعد غياب دام عقدا من الزمن.
يقول عظيم أحمد حاجاييف، رئيس مجلس إدارة لجنة الدولة للاستثمارات التي تجري اتصالات مع مستثمرين أجانب: "خضعت أوزبكستان لثلاث مراحل. المرحلة الأولى كانت الاتحاد السوفياتي، والثانية مرحلة الاستقلال، والثالثة هي عصر جديد، هو عصر التنمية المكثفة" الراهن.
يشيد المسؤولون بموارد أوزبكستان الطبيعية بما فيها النفط والغاز، التي لا توجد بشكل واسع النطاق كما في قازاخستان، لكنها كافية جدا لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة الرخيصة.
هنالك خطط طموحة لتنويع الزراعة من القطن - المحصول الرئيس منذ حقبة الاتحاد السوفياتي، لكنه محصول تعرضت أوزبكستان للانتقادات بسببه، لاستخدامها العمالة القسرية لجني المحصول - وتوسيع نطاق الصناعات من تجهيز الأغذية وصولا إلى المستحضرات الصيدلانية والسياحة.
مع ذلك، فإن إيجاد بيئة تستطيع الشركات الازدهار فيها سيتطلب أكثر من مجرد إصلاحات اقتصادية، فهي بجاحة إلى عملية تغيير شاملة للنظام الإداري والسياسي برمته.
سيادة القانون تحتاج إلى المأسسة ومنح القضاة الاستقلالية - لحماية المواطنين والشركات، والتصدي للفساد المنتشر بشكل واسع بين المسؤولين.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES