FINANCIAL TIMES

ما الأفضل .. اتخاذ القرار بلغة أجنبية أم باللغة الأم؟

أخبرني صديق أمريكي أخيرا بشأن لم الشمل مع ابن عائلة ألمانية كان قد عاش في منزلهم لمدة عام طالبا ملتحقا ببرامج للتبادل الثقافي. أمضى صديقي ذلك العام وهو يحاول اكتساب اللغة الألمانية ليتحدثها بطلاقة أثناء حديثه مع الأسرة.
لم الشمل هذا، بعد مضي عدة عقود، أصبح يجري بين حشد من الناس الذين يتحدثون اللغة الإنجليزية. بعد ذلك، قال الابن الألماني لصديقي: "لم أدرك قط أنك كنت شخصا تتمتع بخفة الدم". لأنه في اللغة الألمانية، لم يكن كذلك أبدا. فقد كان من الصعب جدا إلقاء نكتة أو التندر بلغة أجنبية.
أي شخص تعلم لغة أخرى سيكون على دراية بذلك. فنحن نعاني بطأ وثقلا في استخدام اللغة المكتسبة ونكون أبطأ في الاستيعاب على اعتبار أن علينا تكوين كل رد مسبقا.
لكن هل من الممكن أيضا أن نتخذ قرارات أكثر موضوعية عند التفكير بلغة أجنبية؟
يعتقد باحثون أكاديميون في جامعة شيكاغو أن ذلك ممكن.
في مقال نشر في مجلة "الإدراك المعرفي"، تحدثوا عن معضلة أخلاقية معروفة جيدا. أنت تراقب عربة منفلتة ومندفعة عبر سكة حديدية. وفي مسارها ترى أن هناك خمسة أشخاص مربوطين على السكة. على يسارك، رجل ضخم الجسم. إن دفعته باتجاه مسار العربة ستتسبب في قتله، لكنك ستنقذ الأشخاص الخمسة. هل ستفعل ذلك؟
عرض الباحثون هذه المعضلة على مجموعة من 800 شخص من الناطقين باللغة الألمانية. تعامل نصفهم تقريبا مع هذه المعضلة باللغة الألمانية والنصف الآخر باللغة الإنجليزية. الذين أجابوا باستخدام اللغة الثانية (أي غير لغتهم الأم) كانوا أكثر احتمالا لتفضيل خيار إلقاء الرجل على السكة الحديدية.
بالنسبة للأساتذة في جامعة شيكاغو لم تكن هذه النتيجة مفاجئة. فقد كان هناك عدد من التجارب الأخرى التي توصلت إلى النتائج نفسها، حول تأثير اللغة في الإجابة عن معضلة السكة الحديدية، وكان المشاركون في التجربة من الناطقين بالإنجليزية والكورية والإسبانية والفرنسية والعبرية والألمانية والإيطالية.
السؤال الذي حاول فريق الباحثين في الجامعة الإجابة عنه في دراسة الإدراك المعرفي كان السبب في حصول التغيير عندما يتخذ الناس قرارا بلغة أخرى.
كانت فرضيتهم تفيد بأننا نتصور الناس والأشياء بشكل أكثر وضوحا عند استخدامنا للغة الأم وهذا يؤثر في القرارات التي نتخذها. بشكل خاص، عند التفكير في استخدام اللغة الأم، نستطيع بكل وضوح تصور الرجل الضخم ونتردد في دفعه والتسبب في مقتله.
لاختبار ذلك، طلب من المتحدثين الألمان البالغ عددهم 800 شخص أن يصنفوا مدى وضوح الصور التي كونوها حول الرجل الضخم والأشخاص الخمسة الموثقين على السكة الحديدية. الذين استخدموا اللغة الألمانية قدموا صورة أكثر وضوحا للرجل من الذين أجروها استخدموا الإنجليزية. لم يكن هناك فرق بين وضوح الصور المتعلقة بالأشخاص الخمسة الآخرين الموجودين على طريق العربة المنفلتة.
لم كان ذلك؟ تفيد دراسة جامعة شيكاغو أن الصور التي نشكلها في أذهاننا تستند إلى الذكريات التي لدينا حول الأشخاص والأشياء. ولأن لدينا مزيدا من التجارب مع أشخاص تعاملنا معهم باستخدام اللغة الأم، نجد من الأسهل تصورهم.
لاختبار ذلك، طلبوا من 359 شخصا ناطقا باللغة الإنجليزية تخيل سيناريوهات وأشياء مختلفة - مشهد غروب الشمس، وتصفيق الأيدي، والإحساس بالرمل، والركض إلى أعلى الدرج، ومذاق الملح، ورائحة الدهان، ومرض التهاب الحلق - وتصنيف مدى كثافة الشعور.
استخدم نصف الخاضعين للتجربة اللغة الإنجليزية، واستخدم النصف الآخر اللغة الإسبانية؛ لغتهم الثانية. الذين خاضوا التجربة باستخدام اللغة الإنجليزية قدموا صورا أكثر وضوحا لشروق الشمس والتصفيق والرمل وصعود الدرج من الذين أجابوا مستخدمين اللغة الإسبانية. كان هناك فرق ضئيل بالنسبة للشعور بالتهاب الحلق ولم يكن هناك أي فرق بالنسبة للدهان والملح.
اعتقد فريق الباحثين في جامعة شيكاغو أن الناس يشكلون صورا أكثر وضوحا باستخدام لغتهم الإنجليزية الأم، لأن من المحتمل أكثر أن يستفيدوا من الذكريات المتوافرة لديهم مما لو فكروا باستخدام لغة أخرى. أما كون الصور المتعلقة بالرائحة والمذاق كانت دقيقة عند استخدام اللغتين فهذا ربما يعزى إلى أن المتحدثين باللغة الإنجليزية لديهم "ارتباطات غنية بالطعام غني النكهات في منطقة البحر الأبيض المتوسط". مع ذلك، وبشكل عام، "يقلل استخدام لغة أجنبية الوضوح، لأنه يحد من إمكانية الوصول إلى الذكريات والاستفادة منها".
ويقر المؤلفون بأن "هناك تفسيرات أخرى محتملة". مع ذلك، قالوا أيضا في ورقة بحثية سابقة إن "استخدام لغة أجنبية يوفر آلية إبعاد تعمل على نقل الناس من النظام البدهي الفوري إلى نظام تفكير أكثر تدبرا".
ويضيفون أيضا: "ربما تقدم اللغة الأجنبية مسافة أكبر لأنها أقل رسوخا في النظام العاطفي من اللغة الأم". الأشخاص العاملون باستخدام لغة أجنبية أقل عرضة للتحيز المعرفي، بحسب ما يقولون.
ما مدى جدية هذه النتائج؟ يعمل الآن عدد متزايد من الناس في منظمات تعمل باستخدام اللغة الإنجليزية، ما يشكل مزيجا من المتكلمين باللغة الأم واللغات الثانية. وبالتأكيد من الجدير التفكير فيما إذا كان الناس أكثر تدبرا ومراعاة ويتخذون قرارات أكثر موضوعية باللغة الإنجليزية مما يفعله الناطقون بها. ربما يبدو غير الناطقين بها أقل اتساما بالمرح وخفة الدم، لكن من الأفضل إيلاء المزيد من الاهتمام لآرائهم.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES