تطورات سوق «الريت»

|
ظهر أول الصناديق العقارية المتداولة "ريت" في السعودية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 بقيمة إجمالية 500 مليون ريال، وتوالت الإصدارات حتى وصل عدد الصناديق اليوم وبعد سنة وثلاثة أشهر تقريبا من أول طرح إلى عشرة صناديق بإجمالي رؤوس أموال 7.18 مليار ريال؛ وهذا يعني تضاعف حجم السوق أكثر من 14 ضعفا خلال الفترة القريبة الماضية، وبلا شك مرت هذه الأداة الاستثمارية الناشئة بعدة تقلبات أدت إلى ردات فعل متباينة على جميع المستويات سواء من المهنيين أو المستثمرين وكذلك الجهات الرقابية، حتى أن كثيرا من التغييرات طرأت على هيكلتها وأساليب عملها وصدرت بعض التعميمات والتفاصيل التي ستعمل على إنضاج هذه الأداة الاستثمارية المهمة لمصلحة الوطن والمواطن، وبغض النظر عن وضع السوق الحالي، فالاستثمار العقاري ولا سيما المدر للدخل يعتمد على استراتيجية استثمارية طويلة المدى أي سبع سنوات وأكثر، ومن هنا يتضح أن المصلحة العامة من صناديق الريت في الدرجة الأولى هو تحقيق موضوع توزيع الثروة العقارية بين شرائح المجتمع، فبعض العقارات والمواقع لا يمكن لشخص من ذوي الدخل المتوسط أن يتملك عقارا مميزا في موقع مميز جدا في مدن المملكة الرئيسة مثل المنطقة المركزية حول الحرمين الشريفين التي تعتبر من أغلى دول العالم في سعر الأراضي، وهنا يأتي دور صناديق الريت أن تمكن جميع الشرائح والفئات المجتمعية الراغبة في الاستثمار في العقار التجاري من التكسب من ارتفاعات قيمة العقار في المناطق العمرانية على المدى البعيد ولا سيما تلكم التي تقع في مناطق استراتيجية ستبقى مرغوبة مهما طال الزمن. قامت هيئة السوق المالية مشكورة بالاستجابة إلى بعض المقترحات والانتقادات التي ظهرت خلال طروحات صناديق الريت الماضية، وقد نشرت في يوم الخميس 22/ 2/ 2018 مشروع تعديل التعليمات الخاصة بصناديق الاستثمار العقارية المتداولة لاستطلاع المرئيات، وكانت أبرز التعديلات المقترحة تتعلق بحجم الصندوق الذي يجب ألا يقل حجم أصوله عن 500 مليون بدلا من 100 مليون، وهذا سيقلل من تذبذب سعر الوحدة ويحد من عملية المضاربة عليها، كذلك ورد في النظام مقترح احتفاظ الملاك المؤسسين بوحداتهم لمدة سنة كحد أدنى، وهذا يعني صعوبة تخارج كبار المساهمين ويحد هذا الإجراء من التأثير السلبي على سعر الوحدة في حال تخارج أحد المؤسسين في أول أيام الإدراج في منصة تداول، كذلك ورد في ملحقات التعليمات المقترحة أبرز المعلومات الواجب توافرها عن الصندوق وأصوله، وهنا ينبغي الإشارة إلى أن أهم ما يعتمد عليه المكتتب في صندوق الريت هو العوائد المتوقعة من الإيجار، ولذا أجد أنه من المهم إلزام الصناديق عند إعلان مذكرة الطرح بإبراز الوضع الائتماني للمستأجرين وذكر أسمائهم وتوضيح ملاءتهم المالية بذكر أبرز المؤشرات المالية من التقارير المالية الخاصة بالمستأجر في حال وجدت، ولا سيما للعقارات الفندقية التي يلزم أصحابها عمل تقارير مالية دورية لها، وكذلك لا بد من ذكر تفاصيل العقود للمستأجرين الأساسيين على الأقل ممن يشكلون 70 في المائة أو أعلى من إجمالي الدخل، وتوضيح المتوسط الموزون للفترة المتبقية من العقود لبقية المستأجرين، لأن كل هذه المؤشرات تعطي فكرة أوضح للمستثمر أن الدخل الذي اكتتب من أجله سيتحقق أم أن هناك مخاطر كبيرة حوله، ومن أهم ما ذكرته التعليمات المقترحة، نشر تقارير التقييم العقاري الذي على أساسه يتم الاستحواذ على أصول الصندوق وكذلك معرفة تطوراته من حيث ارتفاع أو انخفاض قيمة الأصل، وقد قامت الهيئة السعودية للمقيمين المعتمدين مشكورة بإجراء ورش عمل مع هيئة السوق المالية وخرجت بتوصيات مهمة قامت بتعميمها على المقيمين ومن أهمها مراعاة التثبت من العقود المبرمة بين مالك العقار والمستأجر ومدى مواءمتها مع القيمة التأجيرية السوقية، كما أوضحت التعليمات وجوب تغيير المقيم العقاري كل سنتين وأجد أن ذلك جيد لإضفاء وجهة نظر مختلفة قد تسهم في تحسين أداء الصندوق أو توضيح بعض الإشكالات التي يجب الانتباه لها، كذلك فقد نوهت التعليمات المقترحة على أهمية وجود أعضاء مجلس إدارة ذوي كفاءة وخبرة، وأجد أن هذه معايير فضفاضة تحتاج إلى مزيد من الضبط والتفصيل، حيث إن معيار الكفاءة لا بد أن يوضح ولا سيما في عصر كثرت فيه الشهادات المهنية ومن أهمها في سوقنا السعودية عضوية الهيئة السعودية للمقيمين المعتمدين في فرع العقار، الذي أعتقد أن حامليه على معرفة متقدمة بعلوم العقار أكثر من غيرهم ولذا من المهم وجود حامل هذه العضوية في أي مجلس إدارة صندوق عقاري، بل يتأكد فرض ذلك عندما يكون صندوق ريت سيتم طرحه للعامة وهذا من تقدير واحترام التخصص الذي يجب أن تعتاد عليه سوقنا المحلية لترتقي بإمكاناتها وقدراتها. الخلاصة، سوق الريت مثلها مثل أي سوق ناشئة وجديدة تمر بمراحل تطور ومع الوقت يتحسن لكن يحتاج إلى المخلصين الناصحين الذين ينتقدون بعلم ومعرفة ويضعون أيديهم على مكامن الخلل ليتم بعد ذلك التفاعل العاجل من الجهات الرسمية، والتحركات خلال الفترة الماضية للجهات الرقابية تثلج الصدر، وأتمنى أن تستمر على الوتيرة نفسها.
إنشرها