FINANCIAL TIMES

"سانمينج" الصينية تطرح نموذجا أمثل لخفض تكلفة الرعاية الصحية

زاد الإنفاق على الصحة في الصين ثلاثة أضعاف في العقد المنتهي في عام 2014، ليتجاوز نمو الدخل، لأن السكان المسنين باتوا أكثر عرضة للأمراض المزمنة، فيما عمدت المستشفيات إلى تعويض النقص في التمويل العام، من خلال بيع أدوية ذات علامات تجارية مقابل أرباح باهظة.
في ظل محدودية تأمين الرعاية الصحية الممول من الدولة، يدفع المرضى أكثر من ثلث التكاليف الطبية من أموالهم. وقد ارتفع متوسط العمر المتوقع في الصين بنحو ثلاثة أعوام إلى 76 عاما خلال الفترة نفسها.
"سانمينج" المدينة التي يبلغ عدد سكانها 2.5 مليون نسمة في مقاطعة فوجيان شرقي الصين، أظهرت طريقة للخروج من هذه المعضلة - من خلال التحول من الأدوية المكلفة التي تصنعها الشركات متعددة الجنسيات، إلى الأدوية العامة المحلية الأرخص سعرا، وتضييق الخناق على الأطباء الذين يأخذون الرشاوى من الموزعين.
بعد الثناء على التجربة من أكبر مسؤول عن الصحة في الصين ومن البنك الدولي، يتم تعميم نفس سياسات سانمينج على الصعيد الوطني.
معظم المقاطعات حظرت على المستشفيات أن تفرض أرباحا مرتفعة، واستطاعت تأمين تخفيضات أسعار شديدة من الشركات متعددة الجنسيات، الأمر الذي ألحق الضرر بنمو تلك الشركات.
هناك 12 مقاطعة تجرب سياسات صارمة للحد من عدد موزعي الأدوية. يقول جين يي، المحلل في الشركة الاستشارية رولاند بيرجر: "تحاول وزارة الصحة ترويج إصلاحات سانمينج على الصعيد الوطني".
التحديات المتعلقة بالسكان التي تواجهها الصين الآن، أصابت سانمينج في وقت مبكر. سمعة المدينة بعدم إمكانية الوصول إليها كانت تعني أنه تم اختيارها كقاعدة صناعية في عهد ماو تسي تونج، لكن مع انفتاح الاقتصاد الصيني في الثمانينيات، هاجرت الصناعة إلى المناطق الساحلية وتبعها كثير من شباب المدينة.
نسبة العاملين إلى المعالين - الأطفال، والمتقاعدين والعاطلين عن العمل - في سانمينج كانت نصف المعدل الوطني بحلول عام 2011. العجز المالي في برنامج التأمين الصحي المحلي، البالغ 30 مليون دولار في ذلك العام، كان يعادل نحو ربع إيرادات المدينة.
في محاولة لمعالجة المشكلة، جمع المسؤول البيروقراطي المحلي زان جيفو مكاتب إدارة المستشفيات، وشراء الأدوية والتأمين الصحي في وكالة واحدة، ما أدى إلى السيطرة على المستشفيات، من خلال ربط رواتب الرؤساء بمدى قدرتهم على خفض التكاليف.
لقد أوقف التكاليف المرتفعة الكبيرة على الأدوية، وخفض عدد الوسطاء الذين يستفيدون من النظام.
من خلال تجاهل تعليمات أن المقاطعات هي التي تحدد أسعار الأدوية، بدأ زان مفاوضات مباشرة مع شركات الأدوية، بينما أمر صندوق التأمين الحكومي بتحديد معدلات السداد بحسب أسعار الأدوية العامة، وبالتالي انخفضت الأسعار.
على سبيل المثال، انخفضت تكلفة إكسيميستين، العقار المستخدم لمعالجة سرطان الثدي، من 108 دولارات إلى 22 دولار للعلبة الواحدة ما بين عام 2012 وعام 2014.
يقول المسؤولون في "سانمينج" إن الإصلاحات حافظت على ضبط تضخم النفقات الطبية دون معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، في حين سجل برنامج التأمين في المدينة فائضا بقيمة 23 مليون دولار لغاية أيلول (سبتمبر) الماضي.
كما رفعت المستشفيات رسوم علاج المرضى، إلا أن المدفوعات من أموال المرضى كنسبة من الإنفاق على الصحة في المدينة، بقيت قريبة من المعدل الوطني.
تمت ترقية زان ليتولى منصب مسؤول الصحة الأعلى في مقاطعة فوجيان في عام 2016.
لم يكن الأمر سهلا من جميع الجوانب. عانت سانمينج من نقص الأدوية بعد أن تخلت بعض شركات تصنيع الأدوية عن المبيعات هناك. وغادر كثير من الأطباء بسبب الحملة على الرشاوى، وذلك وفقا لتقرير وزارة المالية عام 2014.
كما أن الإصلاحات أثارت استياء شركات الأدوية الكبيرة أيضا. يقول شوان كوي، رئيس مجموعة عمل الأدوية التابعة لغرفة التجارة الأوروبية في الصين: "الشركات متعددة الجنسيات مستاءة ... بسبب تخفيضات الأسعار الشديدة جدا".
بدأ عدم الثقة بالأدوية العامة المحلية بالانتشار، ما دفع الصيدليات إلى بدء بيع الأدوية المكلفة إلى المرضى الذين لم يعد بإمكانهم الحصول عليها في المستشفيات، وذلك وفقا للين شياو تشينج، الطبيب في فوتشو، المدينة في مقاطعة فوجيان التي اتبعت نموذج سانمينج.
يقول لين: "أحيانا أسأل المريض: ’هذا الدواء رخيص جدا، هل تجرؤ فعلا على أخذه؟ إذا لم تكن كذلك يمكنك الذهاب إلى صيدلية في مكان آخر. زجاجة من الأحماض الأمينية تباع بسعر أقل من المياه المعدنية - هل تجرؤ على استخدامها؟"
في حين أن أسعار الأدوية انخفضت في سانمينج، إلا أن "الأدوية عالية الجودة لم تعد متوفرة، لدرجة أن كثيرا من ممثلي شركات الأدوية غيروا مهنتهم وفتحوا صيدليات"، كما قال أحد ممثلي شركات الأدوية السابق الذي يطلق على نفسه اسم تشو.
يشيد بعض سكان سانمينج بالنجاح في خفض التكاليف، في حين أن البعض يرى أن الحملة خفضت أعباء الدولة على حساب الرعاية ذات الجودة.
تشتكي صاحبة متجر محلي، لوسي شين، البالغة من العمر 47 عاما، من زيادة رسوم الخدمات. وتقول: "تحديد موعد يكلف 48 رنمينبي، والتأمين لا يغطي سوى 18 رنمينبي. كلما زاد الإصلاح، زادت التكلفة".
العلاج في سانمينج "رخيصة لكنها ليست فعالة"، كما تقول آماندا لي المغادرة رفقة والدتها المستشفى، عقب أن بلغت الحد الأعلى لفترة العلاج داخلها ومدتها أسبوعان.
كانت هناك راية حكومية تقول "تخفيف عبء الرعاية الطبية بجدية على المرضى" كانت ترفرف خلفها.
يو شيو تشين، مسؤول الرعاية الصحية في المدينة، يصر على أن قضايا جودة الأدوية لا علاقة لها بعملية التفاوض على أسعار الأدوية في المدينة.
في الوقت نفسه، ستطرح بكين نظام اختبار اعتبارا من نهاية هذا العام، تقول إنه سيضمن إخراج الأدوية العامة الأقل جودة من السوق.
رد الفعل العكسي من السكان المحليين يشير إلى صعوبات محتملة في توسيع الإصلاحات لتشمل المدن الأكثر ثراء في الصين، كما يقول أليكس جينجوي هي، خبير الرعاية الصحية في جامعة هونج كونج للتعليم.
"الطبقة المتوسطة والطبقات العليا لا تريد فعلا المساومة على جودة رعايتها. لا يوجد نموذج واحد يناسب الجميع في البلاد بأكملها".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES