اللغة وعاء لما نريد

|

اللغة، أيا كانت من لغات الشعوب تمثل وعاء لأي محتوى يخطر على البال، أو يراد تمريره من خلال درس من دروس المدرسة، أو أي درس آخر في أي مكان، وأي صورة، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف اللغات، من حيث إمكاناتها، إذ تختلف قدرة اللغات على تأليف المصطلحات حسب الظروف والمستجدات. اللغة بحروفها وكلماتها يمكن أن تكون منطلقا لبث الطمأنينة والارتياح، أو بث الرعب والخوف، أو قد تكون عبارات تهديد ووعيد، أو كلمات بشريات بدل التشاؤم، من خلال ما يتم اختياره من كلمات وجمل، وهذا من شأنه إحداث سلوك مناسب لما تلقاه الفرد من طرح لغوي عبر الكتاب، أو الأستاذ، أو القناة التلفزيونية.
أسلوب العرض أو الإلقاء له دور في الأثر الناجم، إذ قد يكون استفزازيا أو هادئا، وهذا ما يظهر بشكل أوضح أوقات الأزمات كالحروب أو الزلازل، حيث الأسلوب إما أن يكون مريحا مطمئنا، أو مثيرا للهلع والفزع ما يزيد من خوف الناس، وتصرفهم بصور لا تتفق مع ما يفترض وبما يحفظ حياتهم ومصالحهم.
اللغة كوعاء يمكن أن تحمل كثيرا من المبادئ والقيم السيئة أو الحسنة، ويمكن أن تكون اتجاهات إيجابية أو سلبية نحو المجتمع أو جزء منه، أو نحو دين أو ثقافة من الثقافات، وهذا يعود لبراعة من يصوغ النصوص، أو يختارها ليقدمها للجمهور، أيا كانوا طلابا أو جمهورا عاما وليس محدودا بفئة. شاهدت مقطع فيديو لحفيد ملكة بريطانيا، وحفيد الأميرة ديانا زوجة ولي عهد بريطانيا الراحلة التي لقيت حتفها في باريس، الحفيد يسأله شخص إعطاء جملة كاملة ذات معنى تبدأ بحرف من حروف اللغة الإنجليزية من أول حرف A وحتى آخر حرف z أي ما مجموعه 26 جملة على عدد الحروف.
عملية تحليل مضمون بسيطة تكشف أن الاهتمام بغرس القيم المستمدة من الدين الذي تعتنقه الأمة، إضافة إلى غرس الإيمان وتقويته ليس محصورا في بلد ولا في طبقة دون أخرى، ولا في عمر دون آخر. فالحفيد طفل صغير وهو من أبناء الأسرة المالكة في بريطانيا، ومع ذلك فإن الجمل التي قالها، ولا أدري هل هو يحفظها، أم أنها أتت بصورة تلقائية لكن في كلتا الحالتين الجمل محتواها يغلب عليه الجانب الديني، ما يعني أن الجمل اختيرت بعناية من قبل المعلم أو المشرف على التربية، ليحفظها الحفيد، ولتغرس فيه الوازع الديني، وحتى إن جاءت بصورة تلقائية، فهي تعبر عن مخزون ديني تشبع به حتى أصبح من السهل عليه إنشاء الجمل وفق هذا المخزون، وفي هذه الحالة ينطبق عليه المثل القائل كل إناء بما فيه ينضح.
حتى لا يكون العرض مرسلا لا بد من عرض نتائج تحليل المحتوى للجمل التي وردت في الفيديو كما ينطقها الحفيد صوتا، وصورة. مجموع كلمات الجمل بلغ 300 كلمة تشكل في مجموعها نصا له نسق، ومهمة محلل النص أن يكشف طبيعة النسق. وبالرجوع للنص نجد أن كلمة عيسى jesus عليه السلام ورد ذكرها بصورة مباشرة مرات عدة بلغت سبع مرات، كما تم ذكر الله 20 مرة وبعدة ألفاظ مثل god وlord، كما أن كلمة معتقد faith وردت عدة مرات معبرة عن أهمية الإيمان في حياة الفرد وقيمته في تقويته وتحصينه، أما الشعور بالامتنان لله وحمايته وحسن خلقه لنا وعيشنا في كنفه وأن كل ما عندنا من فضله، تكررت بصيغ متعددة، ومن الواضح أن النص مشبع بالقيم الدينية، المبنية على معتقد واضح وفق ما يؤمن به المجتمع.
قد يقول قائل كيف لهذا الطفل أن تكون تربيته ذات مرتكز ديني واضح المعالم، ذلك أن من هم في سنه في مجتمعات أخرى ربما لو طلب منهم إعطاء جمل كما فعل مع الحفيد، فالمتوقع أن تكون الجمل معبرة عن اهتمامات طفل كأن تكون مرتبطة بالألعاب المفضلة، أو بالرياضة، أو بما يتذكره من برامج تلفزيونية يشاهدها، أو مرتبطة بشيء من أثاث المنزل، ولن يخطر على البال لمن هم في هذه السن الحديث عن المعتقد والإيمان بمفردات وجمل ذات عمق.
سؤال يخطر على البال، هل التربية الرسمية لهذا الطفل كما في المناهج الدراسية تتضمن هذه المفاهيم والقيم، أم أن التربية التي تلقاها في المنزل أو في قنوات تربية خاصة هي التي شكلته بهذه الصورة؟ كما تتداعى للذهن الحملة الشرسة التي تعرضت لها المملكة، ولا تزال في مناهجها، من أنها تصطبغ بالصبغة الدينية، فهل سيعاب على الحفيد توجهه هذا؟ وهل سيعاب على التربية التي تلقاها؟ هذه مجرد أسئلة رأيت طرحها على نفسي والقراء.

إنشرها