عولمة التعليم العالي .. والتحول الرقمي

|

ماذا علينا أن نفهم عندما نقرأ أو نسمع مصطلح "العولمة" Globalization مطروحا أمام أي أمر من أمور الحياة؟ لعله من المفيد لتحديد ذلك البحث عن تعريف يتمتع بمرجعية عالمية لمصطلح العولمة، كي يكون فهمنا له مشتركا مع الآخرين. من هذا المنطلق، هناك تعريف لهذا المصطلح لدى "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" OECD، وهو معتمد أيضا من قبل الأمم المتحدة UN. يقول التعريف ما يلي: "العولمة مصطلح يستخدم لوصف معطيات تحقق نشاطا دوليا متزايدا، وتشمل هذه المعطيات: أسواقا للبضائع والخدمات، وأساليب للعمل والإنتاج، وأنظمة مالية، ونشاطات منافسة، وشركات، وتقنيات، وصناعات مختلفة".
ويضيف التعريف: "إن العولمة تزيد من حركة رأس المال، وانتشار الابتكارات التقنية، وتشابه الأسواق في دول العالم واعتمادها على بعضها البعض".
وإذا انتقلنا الآن إلى طرح مصطلح "العولمة" أمام التعليم العالي، نجد أن عولمة هذا التعليم "تصف نشاطا متزايدا لمؤسسات التعليم العالي ومخرجاتها في مناطق مختلفة على مستوى العالم". ويشمل ذلك "حركة أصحاب العلاقة بهذه المؤسسات، ورأس المال المرتبط بها؛ والتفاعل مع ما يماثلها من مؤسسات تتعاون معها". وعلى هذا الأساس فإن لعولمة التعليم العالي تاريخ طويل، ولعل في حديث الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم، غير المتفق على تخريجه، "اطلبوا العلم ولو في الصين"، إشارة واضحة إلى مثل هذه العولمة.
ينظر إلى تاريخ التعليم العالي والجامعات الحديث على أنه يبدأ في جامعة بولونيا University of Bologna الإيطالية التي أنشئت عام 1088، التي كانت مرجعية لجامعات أخرى انتشرت بعد ذلك في كل من فرنسا وبريطانيا، ثم في مختلف أنحاء أوروبا، وصولا بعد ذلك إلى المكسيك وكولومبيا، ثم الولايات المتحدة، والعالم بأسره. وقد كان ذلك في حد ذاته عولمة للتعليم العالي، إضافة إلى العولمة الناتجة عن الابتعاث، واستقطاب الجامعات لطلاب من خارج حدود بلادها. وقد كان التعليم في هذه الجامعات، عبر الزمن، تقليديا في قاعات تلقى فيها المحاضرات، وتجري النقاشات، بحضور جميع الطلاب، وبالشكل الذي نعرفه اليوم. لكن هذا التعليم التقليدي، كان يشهد نبضات من التأثير في مصلحة توسيع دائرة العولمة، وتعزيز إمكاناتها، والاستفادة منها.
في القرن الـ 15 للميلاد ظهرت الطباعة، وبات بالإمكان نسخ الكتب ونشرها، واستطاع الطلاب قراءة الكتب بعيدا عن الجامعات ومكاتبها، في تعلم ذاتي من بعد. ويروي اللورد إيتويلLord Eatwell رئيس كلية كوينز Queens’ College في جامعة كامبردج Cambridge Univ. أن الملكة فكتوريا Queen Victoria وجهت "جامعة لندن" London University، خلال فترة حكمها في القرن الـ 19 للميلاد، بإنشاء تعليم جامعي عن طريق المراسلة، وكان ذلك نقطة البداية "للتعليم من بعد" الذي شهد تطورا بعد ذلك، وأسهم في عولمة التعليم العالي.
في القرن الـ 20 للميلاد، وتحديدا عام 1969، أي بعد انتشار الإذاعة والتلفزيون، تم في بريطانيا إنشاء الجامعة المفتوحة Open University التي اعتمدت التعليم من بعد باستخدام هذه الوسائل، إضافة إلى استخدام طباعة الكتب والوثائق الجامعية المختلفة. وقد حققت هذه الجامعة نجاحا كبيرا فانتشرت "معولمة" نشاطاتها في مختلف بلدان العالم. وتقدمت التقنية الرقمية، خطوة أخرى، وجاءت الإنترنت وتطبيقاتها المختلفة وإمكاناتها المتجددة، لتعطي تعليما عبرها بات يعرف بالوصف "موكس" MOOCS أي المقررات الكثيرة المفتوحة عبر الإنترنت Massive Online Open Courses التي باتت الحصان الموعود لعولمة التعليم العالي، وجعله متاحا للجميع في شتى أنحاء العالم. ولعل أهم ما يميز الوصف "موكس" في الوقت الحاضر هو اهتمام أهم جامعات العالم الشهيرة به، وإثراء مواقعها على الإنترنت بمقرراته.
وتشهد قضية عولمة التعليم العالي عبر "موكس"، ومن خلال تجدد التقنية الرقمية وتزايد إمكاناتها، حوارات ومناقشات في ندوات ومؤتمرات كثيرة حول العالم. وليس السؤال المطروح هنا هو "هل نقدم على التوسع في العولمة عبر التقنية الرقمية أو نحجم؟"، بل هو "كيف نقدم فعلا على ذلك؟". ولعل بين أبرز المؤتمرات التي تم عقدها حول هذا الموضوع المؤتمر الذي عقد عام 2014 في مدينة دالاس Dallas في ولاية تكساس Texas الأمريكية. وقد تميز المؤتمر بأهمية وخبرة المتحدثين فيه من ناحية، وتعدد دول حاضريه من ناحية أخرى.
كان بين المتحدثين في المؤتمر: سياسيون؛ وصحافيون، ومسؤولون في المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي واليونسكو، إضافة إلى عدد من المتخصصين. وينتمي المتخصصون إلى جامعات معروفة مثل: هارفارد؛ وبيركلي؛ وكولمبيا؛ وفلوريدا؛ ورايس؛ وكامبردج؛ إضافة إلى الجامعة المفتوحة. وطبقا لما أعلن في افتتاح المؤتمر، كان بين حضوره مهتمون من: دول أمريكا اللاتينية؛ وكندا؛ وفرنسا؛ والصين؛ وهونج ـــ كونج؛ والفلبين؛ وفيتنام؛ وأستراليا؛ وجنوب إفريقيا؛ وبوركينا فاسو. ولم يعلن عن حضور أحد من الدول العربية.
ليست قضية عولمة التعليم العالي عبر التحول الرقمي مسألة هامشية في الوقت الحاضر، بل هي مسألة مهمة وملحة. مهمة بقدر أهمية التعليم العالي، والتطور المعرفي الذي يشهده العالم؛ وبقدر أهمية العمل على حل مشكلات التعليم العالي التي تحدثنا عنها في مقال سابق، وتشمل: تكاليف هذا التعليم؛ واستجابته لسوق العمل واحتياجاته العامة والمتجددة؛ ومواكبته للتطورات المعرفية، والحاجة إلى التعلم مدى الحياة. وهي "ملحة" لأن السباق فيها قد بدأ بالفعل، وممن، من أهم الجامعات العالمية التي تتمتع بقوة غزو معرفية كبيرة. وليس الأمر في القضايا المعرفية صدام، وإن كان هناك اختلاف. ولعله يمكن أن يكون هناك مجالات للتوافق والتعاون في إطار علاقات إيجابية، جميع الأطراف فيها رابحة وحريصة على استمرارها.
لدينا خبرات محلية متميزة في شتى المجالات، وأمامنا طموحات وتطلعات لدور متميز للتعليم العالي في التنمية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. وأمامنا الآن قضية عولمة التعليم العالي عبر التحول الرقمي؛ ولا بد من تفعيل الخبرات والإمكانات من أجل التعامل معها، ليس بالضرورة كما يفعل الآخرون، ولكن كما ينبغي أن نفعل نحن لتحقيق طموحاتنا. ولعله من المناسب في الختام تجديد دعوة مقال سابق إلى إقامة مؤتمر وطني حول التحول الرقمي وعولمة التعليم العالي يستطيع فيه أصحاب الخبرات طرح مرئياتهم تحت نور ساطع ينير آفاقا جديدة للتنمية المنشودة.

إنشرها