ثقافة وفنون

صور «مشاهير» التواصل .. تفاصيل دقيقة لحجب الحقيقة

نعيش اليوم في عصر بصري، ينقل لنا الصور بشكل مباشر ومتواصل على مدى 24 ساعة بسرعة هائلة في البث والتلقي. والصورة في متناول الجميع القارئ والأميّ، تُقرأ بجميع لغات العالم. لا نحتاج أن نتعلّم حتى نستطيع قراءة الصورة وإنما إنصات بالعين وتأمل بالقلب. وبقدر ما تمنحنا الصورة من التركيز على التفاصيل الصغيرة تمنعنا من رؤية الصورة الكبرى للحكاية الكاملة. وبقدر ما تعكس التفاصيل الدقيقة للحقيقة تحجب عنا رؤية الحقيقة.

نصّ يمكن قراءته
تمثل الصورة نصّا يتكون من وحدات دلالية، كل جزء منها يكون علامة لغوية يتحد فيها الشكل مع المعنى المقصود منها. وعنصر المعنى في الصورة هو أهم ما تحيل إليه، ومن خلاله يُحكم على الصورةِ بالتأثير أو ضعف التأثير، وبالجمال أو القبح. ومن خلال تأثير الصورة على عواطف المشاهد يظهر مدى إبداع المصور. فالصورة خطاب يمكن تحليله وتفسيره بذات الأدوات التي يُقرأ ويُفسّر بها النص.
يرى بات لونج مان أن التلفزيون والإذاعة والصحافة، والآن الإنترنت، هي القنوات الرئيسة للأخبار التي تعطينا نوع المعلومات اللازمة لنا لنعمل باعتبارنا مواطنين نشطين، وكائنات اجتماعية وثقافية. وبغضّ النظر عن تحديات المنصات الرقمية الجديدة ونقاط الوصول، فإن هذا يُلقي بقدرٍ هائل من المسؤولية في أيدي عدد محدود نسبيا من الناس والمؤسسات. إن أهمية الإعلام ومركزية وسائل الاتصال الجماهيري بالنسبة للمجتمع وحياتنا، ومدى تنامي حضور الصور المتنوعة، يؤثر فينا بشكل يتعذر تغييره.

عصر الصورة
إن المجتمع المعاصر مشبع بالصور إلى درجة تجعله مختلفا بشكل نوعي؛ فالإعلانات وأجهزة التلفزيون في المنزل وفي الأماكن العامة، والفيديو على الأجهزة الذكية؛ تمطرنا كل يوم بالصور. وهذا الإشباع بالصور قد غيّر من إدراكنا لما تمثله تلك الصور بالنسبة لنا، وبالتبعية تدعو إلى التساؤل في طبيعة الواقع بالنسبة له. مما ولّد لدينا حاضرا تمثله الصورة فقط، إلى النقطة التي لا يصبح معها معنى في علاقتها بالأحداث أو الأشياء الحقيقية، ولكنها تحمل معنىً فقط في سياقها الجماهيري، وتجربتنا نحن معها. وهنا تبدو الصور في سياق تشير إلى بعضها بعضا فقط ولا تتصل إلا بهامش الواقع.
ونحن لا ندرك وابل الصور المتتابع عبر الشبكات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي بمعزل عن سياقها؛ وإنما في علاقتها مع الصور الأخرى، أو بمعنى آخر في علاقتها بالشخصيات التي نراها عبر صور الإعلام. وهنا نحن لا ننظر للصورة باعتبارها تمثل شخصية حقيقية. بالرغم من حضورها الطاغي في حياتنا أكثر من الأشخاص الذين نعرفهم على الحقيقة.

حنين إلى الحاضر
إغراء الصورة الرقمية في الشبكات الاجتماعية يكمن في أنها تمنح الرائي سلطة معرفية لا حد لها. هي ليست نوافذ نتلصص بها على حياة الآخرين مشاهير أو غيرهم وإنما التقاطات مقصودة لزوايا معينة من حياتهم، أو زووم على تفاصيل دقيقة تُستعرض بصورة مقصودة لتكون هي الجزء المرئي من حياتهم؛ فيما يجعلنا نتوهم أنها تعرض كامل تفاصيل حياتهم، إنها ثقافة جديدة تُعنى بالتفاصيل وتغيب عنها الصورة الكلية.
أجهزتنا الذكية اليوم تمثل سلطة عظمى علينا، سلطة لا يمكن التخلص منها ولا نستطيع تفادي أثرها، وهامش حريتنا يضيق يوما بعد يوم، حتى يكاد أن يتلاشى مع فورية التواصل بالصورة وغياب عمق الزمن، وفي الوقت الذي نحفظ فيه الصورة للذكرى يأخذنا الحنين للحظة الراهنة، حيث يغيب الواقع الحقيقي خلف شاشة الواقع الافتراضي، وتتضاءل حكاياتنا الكبرى إلى حكايات مصغرة وزوايا هامشية. يغيب فيها (الآن) و(هنا) من حياتنا؛ إذْ تبتلعها دوامة متدفقة لصورٍ من (هناك) و(سابقا)، وربما (الآن) ولكنه آن في مكان آخر، عند أشخاص آخرين.

الصورة لغة المشاهير
في عصر لغة الصورة اليوم تكون لغة المشاهير هي لغة كل الناس. خاصة في الشبكات الاجتماعية التي تتيح التواصل اللفظي والتواصل غير اللفظي؛ تواصل بالصورة والخطاب معا. وكي يتمكن الإنسان من الخروج بنفسه من وابل الصور من حوله لا بد أن ينقل الاهتمام من المرئي إلى غير المرئي، وعند النظر إلى الصورة يركز فيها على ما يغيب عن الصورة. الانتقال من الصورة المرئية إلى الصور الباطنية والتأملات الفكرية، وذلك يتحقق بالقراءة والكتابة والخيال والتأمل.
لا بد من التعامل مع وابل الصور الرقمية عبر الشبكات الاجتماعية بذكاء وحذر؛ لأن انعكاس الصورة لا يحكي الحقيقة كما نتوهم؛ بل ربما يقلب الحقيقة رأسا على عقب أو قد تكون مجرد محاكاة لطمس الحقيقة. وجمهور المشاهير (الفانز) هو المستهلك الأساسي لهذه الصور، ولغة صور المشاهير تشكل الصور الذهنية لدى الجماهير عن العالم المادي المحسوس، وهي صورة لا تمثل إلا علاقة مرسومة مع الواقع، لها هدف محدد لإيصال فكرة أو رأي أو معنى معين. وهذه الصور الذهنية والبصرية تتسلل للعقول ببطء وتأخذ وقتا طويلا دون أن تتغير.
إن الصورة واللغة جنبا إلى جنب تشكل الواقع وتنتجه. والصور والتعبيرات التي نراها في شبكات الإعلام الاجتماعي لا تمثل الواقع على حقيقته وإنما هو النتاج الإدراكي الذاتي للعالم عند المشاهير الذين يشكلون واقع الجماهير التي تتابعهم.

بين الصورة الذهنية والصورة الحقيقية
إن ما تدركه العين من الصور البصرية أو الكلمات هو عبارة عن شبكة من العلامات المترابطة ببعضها. والعلامة لا تدل على نفسها بصورة منفصلة، وإنما يكمن المعنى في داخلها باستحضار التجربة الثقافية شرطا أوليا للإمساك بممكنات التدليل؛ وفقا لوصف أمبرتو إيكو. فإذا كانت الصورة تشير إلى نوع من التشابه بينها وبين ما تحيل عليه في الواقع، فذلك التشابه لا يحكم سوى فعل الإدراك الخاص بتحديد شيء ما يوجد خارج الذات المبصرة. إنتاج دلالة الصورة يأتي من الخلفية الثقافية للمتلقي حيث تتولد كل الدلالات الممكنة لا ما تحيل عليه الصورة في الحقيقة. وبذلك تحمل الصورة الواحدة دلالات متعددة، وربما متعارضة حسب ثقافة المتلقي الذي يراها بعينه وثقافته.
إلا أن استمرارية عرض الصورة على الشبكات الاجتماعية، وتكرار عرضها، يؤدي إلى إحداث تغيرات كبيرة في الصورة الذهنية القائمة لدى الجمهور، فالفرد إذا تلقى من الشبكات الاجتماعية مضمونا يخالف ما لديه من صور ذهنية؛ فإنه يستقبلها على أنها مضامين غير واقعية، ومن ثم يرفضها ولكن مع استمرار تعرضه لتلك الرسائل يبدأ في التشكيك في صحة الصورة الذهنية لديه، ومن ثَمَّ تحل محلها الصورة الأخرى التي خلقتها تلك الصور.
وأخيرا؛ قد تكون الصور التي نتابعها بشكل مباشر ومتواصل لا تعكس كامل الحقيقة وإنما أجزاء مفتتة منها، بديلا افتراضيا مفضّلا عن انعدام الرؤية بشكل تام. ومن الممكن أن يجمع المشاهد من فتات انعكاس الزوايا على الصور صورة خاصة له، يصنع بها عالمه الافتراضي الخاص.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون