دورات تطوير الذات .. تعزيز الذكاء أم النفاق الاجتماعي؟

|

قد لا نختلف كثيرا حول أهمية تعزيز مهارات التواصل بين الناس سواء على المستوى الاجتماعي أو التجاري، لكن الإشكالية التي تعانيها بعض دورات تطوير الذات أنها بالغت كثيرا في تعزيز الابتسامة الكاذبة وإظهار تقبل الرأي المخالف لدرجة أنها يمكن تسميتها دورات تعزيز النفاق الاجتماعي. فبعض هذه الدورات ركزت فقط على كيف يتقبلك الناس بدلا من أن تجيب عن السؤال الأول والمهم: هل أنا "حقيقة" صادق مع نفسي؟ وهل تعاملي يعكس أصالة نفسي وسمو أخلاقي؟ وهل المشكلة في أسلوب التعامل أم في جوهر العلاقة والمشاعر؟
قد لا نختلف كثيرا على أهمية التلطف في العبارة وحسن التعامل مع الآخر لكن ليس لدرجة المبالغة في تعزيز سلوكيات مخالفة لحقيقة مشاعرنا وتعزيز ما يسمى بالنفاق الاجتماعي بدلا من الذكاء الاجتماعي.
للأسف بعض مخرجات هذه الدورات أدى إلى إصابة بعض الناس بخيبات أمل وإحباط تجاه الآخرين بسبب أنهم خالطوا من يحسنون إظهار مشاعرهم الكاذبة المغلفة بابتسامة وتأييد كاذب للرأي الآخر. خيبة الأمل هذه تطورت لدى البعض لدرجة رغبتهم في هجر الناس وعدم مخالطتهم لأن الابتسامة والحوار والرأي مجرد بيت من القش حتى لا يصابوا بمزيد من الخذلان، بل تشكلت لدى البعض أن كل من يبتسم فهو كاذب ومخادع، فالابتسامة الكاذبة حولت النظر لكل ابتسامة على أنها غير صادقة.
للأسف أن عديدا من دورات ما يسمى تطوير الذات تتقاطع مع بعض دورات NLP في افتقادها المحتوى العلمي الرصين المبني على الحقائق والدلائل العلمية. هذه الدورات ظاهرها تطويرية لكن جوهرها تجارية. لذا فهي تركز بشكل رئيس على مهارات الإلقاء ومفاجأة المتلقي بقصة ملفقة أو تمرين مخادع من أجل أن يعيش المتلقي جوا من المتعة وقليلا من المعرفة.
هناك أسباب أدت إلى انتشار هذه الدورات، منها قبل أكثر من عقدين من الزمان، مجتمعنا كان يتميز ببساطته وعفوية وصدق مشاعره لكن هذه العفوية تحولت في كثير من الحالات لجلافة وشدة في التعامل مع الآخر. هذه المعاناة قد تكون مبررة في ذلك الوقت بسبب أن المجتمع كان يمر بفترة انتقالية. هذه الفترة كانت فترة انتقالية من الحياة القروية البسيطة إلى حياة المدنية الحديثة. فالرياض انتقلت من مدينة صغيرة town إلى مدينة عصرية حديثة City كما أن هناك مدنا أخرى انتقلت من قرية إلى مدينة. لا شك أن هذا التغير السكاني والديموقرافي في سكان الرياض وبقية مناطق ومدن المملكة أحدث فجوة في كيفية التعامل مع هذه المتغيرات. وفرض نمطا مختلفا من المعيشة يتطلب تعاملا مختلفا.
تلك الفترة التي عشناها قد لا تختلف كثيرا عن الفترة التي مر بها المجتمع الغربي خصوصا مرحلة الحربين العالميتين الأولى والثانية وما جاء بعدها من فترات التنمية والبناء. هذه المرحلة الزمنية والأجواء ألف فيها ديل كارنيجي كتابه "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس"، الذي تم تأليفه عام 1936 وبعده كتاب "دع القلق" و"ابدأ الحياة" للكاتب نفسه عام 1948 وغيرها من الكتب التي حاول عديد من الكتاب العرب تقليدها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لكن بعد كتب ديل كارنيجي ظهرت كتب أخرى ترى الأهم "ليس إرضاء الآخرين وكسب قلوبهم بل كيف ترضى عن نفسك وتعدل من سلوكياتك". فالمهم ليس ما يشعر به الآخرون تجاهك بل هو ما تشعره أنت حقيقة تجاه نفسك. فالقوة تكمن في أصالة وصدق مشاعرنا نحو أنفسنا التي بعد أن تتحقق ستنعكس بصورة تلقائية لدى تعاملنا مع الآخرين، وهناك عديد من الكتب والدراسات التي تعزز هذه الجوانب ليس المجال هنا للحديث عنها.
نحن في حاجة لتعزيز صدق وأصالة المشاعر وليس كيف نغلفها، فالمهم أن نتحدث عن حقيقة مشاعرنا وليس كيف نغلفها من أجل أن نكسب الآخرين.

إنشرها