مؤشرات الأداء .. «أنت الخصم والحكم»

|

محاولات الربط بين الأهداف والعمل اليومي لصنع نتائج مختلفة جعلتنا نتحول إلى عالم جديد تحيط به مؤشرات الأداء من كل جانب، حتى شبكة الألياف البصرية أصبحت أسرع نموا حول منازلنا استجابة لمثل هذه المؤشرات "الإيجابية" التي أصبحت تؤَسس بشكل أفضل من السابق. هناك بعض الجهات الحكومية تبحث عن "عملاء" ترضيهم، وتقييم أداء الموظفين أصبح يباغت الموظفين بأشكال متطورة الأدوات. الشركات كذلك اضطرت لمراجعة استراتيجياتها ومواءمة أهدافها وأعمالها مع الواقع الجديد. ولكن، لا يزال الفراغ موجودا بين تطبيق ممارسات مراقبة الأداء وبين ثقافة الأداء في المنشآت والمجتمع عموما. وهذا الفراغ خطير إذ يقوض جزءا كبيرا من التطور الحاصل. بل إن المشكلة أن هذا الفراغ يصنع ثقافة سلبية جديدة (أو يطور ثقافة سلبية موجودة) تتمثل في الاهتمام بالشكل بدلا عن الجوهر، ونرى ذلك في تعبئة النماذج وضعف التطبيق، وفي تقديم التقارير وغياب الأثر. وهذه ثقافة خطيرة إن تأصلت كسلوكيات مقبولة وممارسات "عادية" غير مستغربة. بل إن المصيبة أن هذا النوع من الظواهر يمتد ويتنقل بين الأعمال والمنازل والمجموعات والأسر ويعزز ظواهر سلبية أخرى مثل وأد المبادرات والسخط المتكرر والتقاعس المجتمعي.
لتوضيح المقصود نحاول بطريقة مبسطة شرح المفهومين المرتبطين ببعض ارتباطا قويا وحساسا. الأول، إدارة "مؤشرات" الأداء ويقصد به مجموعة الأعمال والأنشطة التي تمكننا من السعي خلف الرؤى والأهداف التي وضعت في تنظيم معين، سواء كان شركة أو جهة حكومية. وهذا يشمل تخطيط وتصميم هذه المؤشرات ومتابعتها وتعديل وتحسين الأداء بموجب نتائجها. أما ثقافة الأداء فنستطيع أن نقول إنها النسخة الإيجابية من الثقافة التنظيمية للمنشأة التي تصنع مقومات الأداء المتوقع، وبالتالي تجعل إدارة مؤشرات الأداء تعمل بشكل فعال وكفء؛ الثقافة التنظيمية تشمل كما هو معروف مجموعة الافتراضات والقيم والاعتقادات التي تحكم سلوكيات الأشخاص في الأماكن التي يعملون فيها.
وجود عدد كبير من البرامج والأدوات التي تقيس الأداء وتحاول تحسينه لن تعمل بشكل جيد في بيئة لا تؤسس لثقافة إيجابية للأداء، بل قد يعني هذا الفشل الذريع ولو بعد حين، وقد يعني هدر الموارد بجميع أنواعها ولو تمت تعبئة كل الاستبيانات والتقارير بشكل ممتاز يخلو من الأخطاء. العبرة في نهاية الأمر تكون بالأثر الحقيقي الذي يظهر بشكل محسوس ويعكس دواخل وسلوكيات الأفراد في شكل مخرجات جميلة ونتائج طيبة، وليس على هيئة تصريح في صحيفة أو لوحة معلقة على جدار.
أول الأخطاء المزعجة التي تضخم من هذه المشكلة اعتقاد بعض المديرين أن بعض الأدوات كافية لحكم وضبط الموظفين ولا يوجد داع للاهتمام بمشاعرهم. يعني أطلق مجموعة من البرامج والترتيبات الداخلية، وأسس لجنة للمتابعة والمراجعة، وسيتبع الموظفين عاجلا أم آجلا كل الخطط التي تضعها. وهذا أسلوب عار من الصحة وفكر لا أساس له، قائمة التجارب الفاشلة للمبادرات التي تتبع هذا الأسلوب لا تنتهي. هناك أيضا من يعتقد أن الموظف هو في الأساس كائن متطلب يمارس الدلع والاستغلال ويجب ألا يعطى كثيرا من المساحة، بل إن أسرع أساليب ضبط الأداء تكمن في الحزم المباشر، والمعلن، والصريح. ويزيد مثل هذا من حجم المشكلة حين يعلن عن حزمه ويخفي تحفيزه، حين يتصدى بسرعة للأخطاء ولا يعرف اكتشاف التحسينات ولا يقدرها. في نظري هو مهمل في الإدارة ولا يحسن التعامل مع كل عناصرها بشكل شامل، ثم يشغل نفسه بتوزيع الأحكام والجزاءات ويخرج بنتيجة مفادها أن العنصر البشري متواضع والتعامل معه صعب. إذ ينطبق عليه قول المتنبي: "فيك الخصام وأنت الخصم والحكم" .
تثبت الدراسات كل يوم أهمية تطبيقات الذكاء العاطفي والتوجهات السلوكية والتأثيرات الثقافية داخل المنشأة. بل إن الموضوع يصبح أكثر أهمية وأقوى تأثيرا عندما ترتفع حدة التغيير، سواء التغييرات الداخلية التي نتحكم فيها أو الخارجية التي نتأثر بها. فالتحول الجذري ـــ مقارنة بالتغيير المنفرد ـــ يحتاج إلى عناية خاصة واهتمام دقيق ليصنع ثقافة أداء تواكب الممارسات الجديدة، وإلا صنعت الفوارق مزيدا من التناقضات. من لا يهندس قنوات الماء في حديقته بشكل جيد، لا يحق له لوم الماء ولا اتهام الأرض حين يفشل في ري مزروعاته، ستتحول حديقته نتيجة لأعماله إلى مستنقع عفن أو تختفي المياه وتجف الأرض؛ المسؤولية تقع بالكامل عليه إذ قام بالتخطيط أولا وأتيحت له الإدارة لاحقا.
لصنع ثقافة الأداء يتطلب الأمر أكثر من أدوات ممتازة للقياس أو مؤشرات محكمة للمتابعة. البداية تكون بعقد النية والتصميم على إدارة التغيير الثقافي داخل المنظمة والإسهام في التأثير فيه بشكل إيجابي، وهذا يعني أن تعتقد قيادة المنظمة أولا بأهمية وأولوية هذا الأمر. وهو أمر لا يمكن تنفيذه إلا بشفافية وانفتاحية غير معتادة؛ لا يملك الشجاعة للقيام بها ـــ محليا ـــ إلا قلة معدودة من القادة الأكفاء. وفي بيئة كانت غائبة عن ثقافة الأداء يتطلب الأمر مجهودا مكثفا غير اعتيادي من التواصل النشط والرسائل الإيجابية والحضور "كقدوة" تمثل واقعا حقيقيا يمكن الاعتقاد به وليس مجرد ادعاءات يسهل شرخها والسخرية منها. إجمالا يتطلب الأمر تقييما للثقافة الحالية والمرجوة وتحديد مجموعة الأساليب التي يمكن اتباعها للتجسير بينهما، بدلا من تدشين أدوات ومؤشرات لا توافق الثقافة الحالية وتسهم في تجديد التعثر بدلا من القضاء عليه.

إنشرها