المشراق

رمي السن في عين الشمس عادة عالمية

العادة في اللغة تطلق على تكرار الشيء مرة بعد أخرى، وجاء في لسان العرب: "العادة: الديدن يعاد إليه، معروفة وجمعها عاد وعادات وعيد، والأخير ليس بالقوي. والمعاودة: الرجوع للأمر الأول". وتمثل العادات النشاط البشري من طقوس أو تقاليد تستمد في أغلب الأحيان من فكر أو عقيدة المجتمع وتدخل العادات في كثير من نواحي الحياة. وهناك عادات تختص بها أمة دون أخرى، أو شعب دون آخر، أو قبيلة دون أخرى، وهناك عادات تتفق فيها كثير من الشعوب. ومن العادات التي تنتشر في عدد من الشعوب، وهي معروفة عند العرب منذ الجاهلية حتى يومنا هذا، وسنتحدث عنها اليوم في عالمنا العربي.
يذكر ابن أبي الحديد (ت 656هـ) أن العادة معروفة في زمانه في القرن السابع الهجري، ويقول عنها في "شرح نهج البلاغة" ما نصه: "ومن تخيلات العرب وخرافاتها، أن الغلام منهم كان إذا سقطت له سن أخذها بين السبابة والإبهام واستقبل الشمس إذا طلعت وقذف بها، وقال: يا شمس أبدليني بسن أحسن منها، وليجر في ظلمها آياتك، أو تقول: "إياؤك"، وهما جميعا شعاع الشمس، قال طرفة: سقته إياه الشمس، وإلى هذا الخيال أشار شاعرهم بقوله:
شادن يجلو إذا ما ابتسمت
عن أقاح كأقاح الرمل غر
بدلته الشمس من منبته
بردا أبيض مصقول الأشر

وقال آخر:
وأشنب واضح عذب الثنايا
كأن رضابه صافي المدام
كسته الشمس لونا من سناها
فلاح كأنه برق الغمام

وقال آخر:
بذي أشر عذب المذاق تفردت
به الشمس حتى عاد أبيض ناصعا

والناس اليوم في صبيانهم على هذا المذهب". وقال أحمد بن علي القلقشندي (ت 821هـ) في "صبح الأعشى" عن هذه العادة: "ومنها رمي سن الصبي المثغر في الشمس، يقولون إن الغلام إذا أثغر فرمى سنه في عين الشمس بسبابته وإبهامه وقال أبدليني بها أحسن منها، أمن على أسنانه العوج والفلج والنغل". ويذكر العالم العراقي الدكتور جواد علي (ت 1407هـ) في: "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" أن العادة معروفة في وقته في العراق وغيرها من الدول فيقول: "وعادة أخذ الغلام إذا ثغر، السن الساقط ووضعه إياه بين السبابة والإبهام، واستقبل الشمس، وقذف السن في عينها، لا تزال معروفة حتى الآن".
والعادة معروفة في مصر ويقولون: "يا شمس يا شموسة خدي سن الجاموسة، وأعطيني سن العروسة". وهي معروفة في بلاد الشام ودول المغرب العربي وشمال إفريقيا، ويذكر الباحث سالم شلابي الليبي أهزوجة تشبه ما يقوله الطفل الليبي أو في المغرب العربي عامة ما يقوله الطفل الحلبي عند رمي السن تجاه الشمس فيقول:‏ يا شمس يا شميسة يا خويتم الخميسة‏، يا شمس يا شموسة يا عوينة العروسة‏، خدي مني سن الحمار وعطيني سن الغزال‏. وتقال في بعض مناطق السودان بلفظ مقارب: يا شمش يا شمش هاك سن الحمار واديني سن الغزال. والعادة معروفة لدينا في السعودية وكذلك في دول الخليج العربي واليمن، وكنا نفعلها ونحن صغار في سن الطفولة.
ويذهب البعض، وهو رأي يحتاج إلى مزيد بحث، إلى أن هذه العادة موروثة من ديانة عبادة الشمس المعروفة قبل الإسلام، وممن جزم بذلك الشيخ مبارك الميلي في كتابه "تاريخ الجزائر" إذ يقول: "وقد وقع شعبنا فيما يقرب من هذه الوثنية، فمن آثار عبادتهم للشمس أن الولد حينما يثغر وتسقط سنه يرمي بها إلى الشمس، ويقول لها في بعض الجهات الشمالية أعطيتك فضة وأعطيني ذهب، وفي بعض الجهات الجنوبية: أعطيتك سن الحمار أعطيني سن الغزال".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق