ثقافة وفنون

«كِتاب الدار البيضاء» .. أسماء ثقيلة في ميزان الفكر والثقافة

افتتحت يوم الجمعة الماضي؛ 8 فبراير (شباط)، فعاليات الدورة 24 للمعرض الدولي للكتاب بمدينة الدار البيضاء، بمشاركة ما يفوق 700 عارض قادمين من 45 دولة عربية وأجنبية، موزعين ما بين 305 عارضين مباشرين و404 عارضين غير مباشرين.
تتقدم جمهورية مصر العربية قائمة العارضين بما مجموعه 109 عارضين؛ وذلك نظرا لكونها ضيفة شرف هذه الدورة. يليها البلد المحتضن؛ أي المغرب بـ 103 عارضين، فلبنان بـ 71 عارضا، ثم المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية بـ 26 عارضا لكل منهما. وتشارك فرنسا بـ 15 عارضا، وسورية وتونس بـ 13 عارضا لكل منهما، إلى جانب أروقة أخرى تمثل دولة فلسطين وجمهورية الصين الشعبية والجمهورية التركية، وعدة دول من أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
بلغة الأرقام دائما، يشارك في المعرض نحو 350 كاتبا وباحثا وناقدا من المغرب وخارجه، يؤطرون 14 نشاطا ثقافيا وفكريا يوميا. بالموازاة مع ذلك، تعرض في أروقة المعرض؛ على مدار أيامه العشرة، أكثر من 125 ألف عنوان في مختلف الفروع؛ من أدب ونقد وشعر ودراسات اجتماعية وسياسية وشروح وتفسيرات دينية.
يضم برنامج هذه الدورة فقرات متنوعة ومتميزة من قبيل الندوات الموضوعاتية، والليالي الشعرية، واللقاءات المباشرة مع الكتاب حول تجاربهم الإبداعية، والاحتفاء بأسماء بحثية متميزة؛ سواء من لا يزالون يواصلون إنتاجهم الفكري أو الأدبي الرصين أو الذين رحلوا عنا إلى دار البقاء، مع كثير من الفقرات الثابتة المهداة إلى الكُتاب، وإلى الحوار مع ثقافات أخرى.
من بين العناوين المنتقاة لفقرات هذه السنة، نجد "تجارب في الكتابة" و"ليالي الشعر" و"ساعة مع كاتب" و"ذاكرة" و"أسماء فوق البوديوم" و"أدباء قادمون" و"ثنائيات: لقاء بين كاتبين من جيلين مختلفين" و"المغرب – إسبانيا: ثقافات متقاطعة" و"أصوات أمريكا اللاتينية" و "في حضرة كتاب".
يتوقع أن يشهد البرنامج الثقافي لحظات قوية تتمثل في إحياء «أمسية الأركانة»، التي تحتفي بالشاعر الطوارقي محمدين خواد الفائز بجائزة الأركانة العالمية للشعر، وفي حفل تسليم جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، التي ينظمها المركز العربي للأدب الجغرافي. فقد أضحت بحق رافعة مهمة للتحفيز على إنجاز مشاريع البحث والتحقيق والتأليف في أدب السّفر والرحلات. وأخيرا، وليس آخرا، حفل تسليم جائزة القراءة التي تنظمها شبكة القراءة في المغرب، التي ترمي إلى تشجيع الناشئة والشباب على القراءة المستديمة.
مصر ضيف شرف هذا العام لم تكتف بتصدر قائمة العارضين، بل تعدته إلى حضور وازن ضمن فعاليات البرنامج الثقافي العام للدورة، يتولى تنشيطها نخبة من المفكرين والمثقفين والكتاب والمبدعين، بغرض تسليط الأضواء على جديد الساحة الثقافية المصرية، وعلى أسئلتها الراهنة. من ضمن موضوعاتها نجد: «تاريخ العلاقات المغربية -المصرية» و«أسئلة الثقافة» و«إشكاليات الدرس الفلسفي» و«دور الراحل جمال الغيطاني» و«خصائص التجربة الروائية في كل من مصر والمغرب» و«أبحاث في القصة المصرية القصيرة»، إضافة إلى تقديم لعديد من المؤلفات الجديدة، والقراءات الشعرية.
ليس بغريب أن تحظى دولة بحجم مصر بكل هذا، بالنظر إلى المكانة الاعتبارية التي احتلها هذا البلد العريق، ضمن الخريطة الحضارية والتاريخية الإنسانية. وكذا لموقعها الثقافي الريادي الذي نَحَته كتابها ومبدعوها، في ذاكرة ووجدان كل أبناء الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.
يحتفي المغرب هذا العام بتجربة ثقافية رائدة، وبنموذج إبداعي خلاق كان سباقا إلى الإسهام، وبقسط كبير في إشاعة قيم الحداثة والتنوير والتجديد. كما كان له الفضل في إشاعة مبادئ الثقافة النقدية وإعمال سلطة العقل، من خلال السبق التاريخي الذي كرسه النبوغ المصري، سواء في تيسير سبل تداول الكتاب وتوسيع دائرة نشره، أو في تجديد الأفكار، واقتراح البدائل الثقافية التي أفادت الأمة العربية، وفي تجديد الأسئلة الثقافية لزمننا الحديث والمعاصر.
يسترعي انتباه زائر المعرض الإقبال النوعي الذي تحظى به فقرة "ليالي الشعر"، على الرغم من ذهاب بعض النقاد والدارسين إلى اعتبار الزمن الحاضر زمنا سرديا بامتياز، بما يلمح إليه هذا التصور من هيمنة للرواية بالدرجة الأولى، إلا أن الشعر، ظل مع ذلك، يفرض نفسه كأسلوب تفكير وحياة، ليس فقط باعتباره آلية تعبيرية لتذوق الجمال والانتفاع به، وإنما أيضا كنمط استقبال للمغاير، للهش وللمفارق في حياة الإنسان.
إنه بهذا المعنى ملجأ للحالمين بالخلاص من ضغط الوقت، ومنفذ لكل الباحثين عن أسرار الكون، ونبل المشاعر وصفاء الأحاسيس. بهذه الصفات جميعها، استطاعت هذه الفقرة من البرنامج أن تتحول إلى موعد يومي يجذب زوار المعرض. وبذلك يبقى للشعر ألقه وسلطانه، بل أهميته وجدواه في عالم بارد وصارم. حصة "ساعة مع كاتب" فرضت تميزها أيضا، نظرا لما تتيحه من فرص أمام جمهور القراء للاقتراب أكثر من الحياة الخاصة للكتاب والمبدعين، ممن لا تتعدى معرفته حدود ما يطرحونه من أعمال إبداعية. لذلك تبقى الحياة الخاصة محط اهتمام، لأن الكاتب صانع أفكار وقيم وحكايات تتأسس في جزء كبير منها، على قاعدة من التأمل والحلم والخيال.
من هنا تنشأ تلك المكانة الاعتبارية التي يحظى بها المفكرون والكتاب والمبدعون والفنانون داخل مجتمعاتهم وفي العالم، وهي مكانة تستند أساسا، على كونهم يحيون، إلى جانب حياتهم العادية داخل عالم رمزي قوامه اللغة والأفكار والخطابات والصور.
أمر يجعل منهم كائنات تعيش لحظتين وجوديتين مفارقتين، مع ما يترتب عن ذلك من أسرار وطقوس وعادات، سواء أثناء الكتابة أو في خضم الحياة. عوالم تخترق في هذه اللحظة، حيث يتم الكشف عن حيوات الكتاب الثانية على امتداد ساعة من البوح والمكاشفة والإفصاح.
سنة واحدة تفصلنا عن الدورة 25 للمعرض الدولي للكتاب في المغرب؛ ربع قرن من عمر معرض، تمكن بفضل صيته الذائع من جلب أسماء ثقيلة في ميزان الفكر والثقافة عربيا وعالميا؛ احتفاء أو تكريما، على مدار دوراته السابقة. ولا يزال محافظا على تلك السُّنة، ليؤكد أن إنفلونزا تكنولوجيا المعلومات لم ولن تؤثر في الثقافة والإبداع.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون