ثقافة وفنون

السيناريو .. فن إدارة عواطف المتلقي

"تشبه القصة رياحا تمر من خلال شقوق في حائط؛ إنّها دليل على الاتساع الشاسع وراءها. وهي تتيح الحركة خلال الزمان والمكان... وكي يدخل المرء عالم قصة ما، فإن عليه أن يتوقف لفترة من الوقت عن أن يكون ذاته. إن إخضاع الذات لعالم قصة ما، هو أحد الأشكال المهمة في التجربة الإنسانية؛ لأنه لا تكاد أن تكون هناك حضارة لم تعطِ للقصة ما تستحقه من قيمة". بول زفايج
كل فيلم استمتعت بمشاهدته طويلا كان أو قصيرا، لا يمكن أن يظهر في صورته المرئية دون نص السيناريو الذي يشكل العمود الفقري لأي عمل سينمائي. كتابة السيناريو هي بذرة أي عمل سينمائي ومن السيناريو تنمو الفكرة الأساسية للعمل وتتفرع، وفي داخله يُبنى الهدف والغاية من العمل. والكتابة عموما وكتابة السيناريو على وجه خاص تحتاج إلى مزيج من الموهبة والتدريب على تقنيات الكتابة الجيدة. والقدرة على ابتكار حلول إبداعية لمشكلات الكتابة.
تشكو المكتبة العربية من قلة المصادر التي تُعنى بمبادئ كتابة السيناريو. وتعوّض المؤلفات المترجمة النقص في هذا الجانب ولكنها تعتمد في جانبها التطبيق على الأفلام الأجنبية. ومن هنا نقدّم عرضا سريعا لمجموعة من الكتب العربية والمترجمة التي تُعنى بهذا المجال والتي تسهم بشكل مباشر في التدريب على كتابة السيناريو أو فن رسم الحبكة السينمائية أو تقنيات كتابة قصة الأفلام القصيرة.
السيناريو Scenario كلمة من أصول لاتينية تعني "منظور"، "مرئي" عمل فني قد كُتب وأعدّ وتم التحضير له سلفا؛ كي تسير على هدى خطواته الأحداث والأشياء التي ستتم رؤيتها فيما بعد دونما تغيير. وفقا لتعريف الدكتور أشرف توفيق في كتاب كتابة السيناريو تدريبات وتطبيقات. الذي يوضح فيه كيفية التعامل مع الأدب وتحوّيله إلى سيناريو، ويرسم فيه حدود كاتب السّيناريو في التَّعامل مع النصوص الأدبية.
لابد أن يتوافر في السيناريو وصف منظّم ومتصاعد للأحداث الدرامية من البداية للنهاية، ووصف دقيق لملامح كل شخصية، والأماكن التي تدور فيها الأحداث، والمشاعر والانفعالات التي تظهر على كل شخصية، والأصوات والمؤثرات الموسيقية المصاحبة لكل مشهد. ومن ثمّ تقديم توصيف مادي بصري لكل ما يعبّر عنه أدبيا. وعلى كاتب السيناريو أن يوجد من كل فكرة حدثا ومشهدا حتى يبني هذه الفكرة لدى المشاهد من خلال تلك المواقف.
إنّ الشيء العادي والمرتب والمستقر والجميل والخيّر ليس مما يهتم به كاتب السيناريو المبدع. فالإبداع في كتابة السيناريو لن يتحقق إلا بوجود مشكلة ترسم حولها حبكة النص الدرامي. يمكن للكاتب أن يعبر عن الشيء الجميل والمثالي في مقال أو كتاب؛ فالكتابة الفنية ليست نقلا للواقع وإنما إبداع لواقع جديد، أو تأمل في إشكالية محددة في هذا الواقع. وما يجعل الناس يظنون أن وظيفة الفنان أو الكاتب هي نقل الواقع هو التشابه الشديد بين العمل الفني والحياة الواقعية.
وبهذا المعنى فإن السيناريو "خطّة" يتبعها صانع الفيلم (كاتب السيناريو والمخرج) لإقناع المتلقي بفكرة ما، أو بقصة ما. من هنا يقدم المؤلفان بات كوبر وكين دانسايجر في كتابهما: "كتابة سيناريو الأفلام القصيرة" الأساسيات التي تمهد الطريق أمام كاتب السيناريو بشكل عام وكاتب سيناريو الأفلام القصيرة على وجه التحديد. والكتاب موجه تحديدا إلى طلبة السينما، وصنّاع الفيديو المستقلين، الذين يواجهون ضرورة كتابة سيناريو روائي قصير للفيلم القصير الذي لا يتجاوز طوله 30 دقيقة، وذلك لأن الأفلام الأطول من ذلك تحتاج في العادة إلى خط ثانوي في الحبكة للمحافظة على اهتمام المتفرج.
وعلى الرغم من أن الكتاب يعنى فقط بسيناريو الأفلام القصيرة إلا أنه يوضّح الطرق التي يقوم بها كل شكل سينمائي في عالم الأفلام القصيرة بالاستعارة من الأشكال الأخرى. ويرسم أهم السمات التي تميز الفيلم القصير عن الفيلم الطويل؛ فالفيلم القصير يمضي بطريقة أكثر بساطة وحرية من الفيلم الطويل حيث تكمن البساطة في العدد المحدود للشخصيات، التي لا تزيد في أغلبها عن ثلاث أو أربع، ومستوى الحبكة عادة يكون بسيطا، وهذا يعني بساطة أسلوب رسم الشخصيات؛ فالزمن المحدود في الفيلم القصير يحد من التوسع في رسم الشخصيات. ويعد هذا الكتاب دليلا مفيدا في مجال صنع الأفلام القصيرة التي تمتلك شعبية واسعة بحكم اتساع مجال تقديمها على الشبكات الاجتماعية، حيث توفّر لها التكنلوجيا الحديثة الأدوات السهلة لتصوير ومونتاج هذه النوعية من الأفلام.
يقدّم كتاب بهجة التخيل رحلة في عالم السيناريو: رحلة مثيرة لاكتشاف أسرار سيناريوهات قصص المجلات المصورة للمؤلف قاسم مسعود عليوة: ويستعرض الكتاب سيناريوهات مكتوبة للقصص المرسومة أو المصورة. ويؤكد المؤلف أن هدف هذا الكتاب هو الدفاع عن حق كل إنسان في التخيل، وأن كبح جماح الخيال يعني إنكار حق الحياة، وكبح دافع الإبداع الخلاق لدى الإنسانية كلها وبالتالي تعطيل لحركة المجتمع نحو التقدم. فإن أكبر نشاط حيوي للعقل هو الخيال. وهو القوة الحية والمحرك الأساسي لكل إدراك إنساني. وإذْ توقظ البصيرة الخيال، يشحذ الخيال البصيرة ولا غنى لأيّ منهما عن الآخر.
يرى المؤلف أن السيناريو جزء من منظومة متكاملة، وهو الركيزة الخلاقة للعمل الفني المصور. وسواء كان هذا العمل الفني على هيئة صور متتابعة ذات طبيعة ثابتة أو تمثيلية تلفزيونية أو فيلما سينمائيا؛ فإن السيناريو شرط أساسي لوجوده. ويؤكد أن اختيار الأماكن والزوايا ونوعية الألوان وطريقة رسم الشخصيات وتحديد ملامحها من قبل منفذي القصة المصورة، وكذلك اختيار مواقع التصوير وتصميم الديكورات واختيار الممثلين وطرق عمل المكياج ثم القيام بأعمال المونتاج والمكساج من قبل منفذي العمل السينمائي. تؤدي إلى تدخل واسع في توجيه مسارات التخيل لدى المتلقي. وهذه التدخلات تزيح التخيل الحرّ في رسم الشخصيات وكل ما يحيط بها من أحداث. عطي كتاب بهجة التخيل مبادئ أساسية لكتابة السيناريو للأعمار التي تراوح بين ١٢-١٨ سنة بدءا بشكل كتابة السيناريو على الصفحة، وتوزيع أسماء الشخصيات والاعتناء بشعور المتلقي، ومراعاة تتابع الأحداث ثم الاتصال بين الحركات المختلفة؛ الأمر الذي يساعد على تكوين الصورة في مخيلة القارئ. وانتهاء باختيار الزمن المناسب للأفعال المستخدمة في تركيب جمل الحوار. ويعد هذا الكتاب إجمالا مساعدا مهما للمبتدئين في كتابة السيناريو للمجلات المصورة المقدمة للأطفال والناشئة. ويحدد بوضوح أبرز الاختلافات بين سيناريو الرسوم الثابتة عن سيناريو السينما والرسوم المتحركة. ويؤكد أن القراءة الحرة الخالية من الرسوم والصور الجاهزة تذيب تلك الفروق والاختلافات.
وترى "ليندا كاوغيل" في كتاب فن رسم الحبكة السينمائية أن كتابة السيناريو فن وضع الكلمات على الورق لإبداع صورة بصرية متحركة في ذهن القارئ، تثيره، وتترك انطباعا حسنا لديه. ويقود كاتب السيناريو القارئ عبر مخيلته ليعبّر عن أحلامه. وأن إنتاج حبكة تستحوذ على اهتمام القارئ تجعله يستمر في القراءة وتقليب الصفحات أهم من اختيار الكلمات وجمال الأسلوب. فكتابة السيناريو ليست مجرد سرد لقصة في مشاهد تُبنى على الحوار والحدث فقط؛ وإنما معلومات يراها المشاهد لتمكنه من المتابعة البصرية والسمعية.
يساعد كتاب فن رسم الحبكة السينمائية على فهم لغة الدراما حيث يستطيع الكاتب أن يكون أكثر إرضاء لجمهوره. ومن ثمَّ إكسابه القدرة على إثارة القارئ من خلال رسم الشخصيات وتوجيه الجمهور عبر معلومات القصة، والمحافظة على فضولهم واهتمامهم وحماسهم خلال التجربة بكاملها. وكاتب السيناريو لا يجبر المتلقي أن يسأل: "ماذا سيحدث بعد ذلك؟" فحسب. وإنما يدير عواطف المتلقي في كل مرحلة من مراحل القصة.
يقدم فن رسم الحبكة نظرة ثاقبة إلى الموضوعات الأساسية في تصميم الحبكة وبنائها. ويهدف إلى تمكين الكاتب من القدرة على تعميق التأثير العاطفي الناجم عن صراع الشخصيات، وتبسيط خطوط القصة حيث يتدفق الحدث بشكل أفضل. ويقدم للكاتب كيفية جمع المعلومات لإكساب القصة قوة وأهمية أكبر للمشاهدين. فالحبكة لا تتعلق فقط بإبداع المشاهد البصرية المتوالية وإنما فن إدارة عواطف المتلقي نحو الأحداث. الكتاب يقدم لك الأدوات التي تؤهلك لتكوين قصة مؤثرة ذات معنى.
وأخيرا؛ تمثل هذه المجموعة الانتقائية من الكتب التي تُعنى بفن كتابة السيناريو جزءا بسيطا من مجال الكتابة السينمائية. ويعدّ السيناريو جزءا من منظومة متكاملة في العمل السينمائي، وهو الركيزة التي يتأسس عليها أي عمل فني مصور.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون