FINANCIAL TIMES

مشكلة ديون الشركات تستعصي على الانحسار

بينما تقلبت أسواق الأسهم بشكل عنيف في وقت سابق من هذا الأسبوع، بثت منصة وسائل التواصل الاجتماعي ريديت صرخة أليمة من شخص يدعى "ليلكانا"، ادعى أنه مستثمر لفترة قصيرة، ولديه أوراق متداولة في البورصة تراهن على تقلبات الأسهم الأمريكية المنخفضة.
كان الإعلان: "لقد بدأت بخمسين ألف (دولار) وواصلت التداول حتى وصلت إلى أربعة ملايين على مدى عامين ونصف، مستخدما المزيد والمزيد من الهوامش (أعني الدين). بيد أنني الآن خسرت أربعة ملايين دولار، بعد ثلاث سنوات من العمل، إضافة إلى أموال الناس الآخرين. هذا أمر في منتهى الغباء فعلا. أشعر وكأنني شخص غبي جدا".
بالفعل هو كذلك. على مدى أشهر، حذر المعلقون من أن إجراء التصحيح في سوق الأسهم الأمريكية، قد آن أوانه منذ فترة.
كما حذر المطلعون في الأسواق المالية أيضا من أنه كان لا بد للتقلبات من أن تنفجر بعد الهدوء الخارق الذي ساد العام الماضي، ما يشكل كارثة بالنسبة لأي شخص - مثل ليلكانا - الذي كان يقتني أوراقا متداولة في البورصة تراهن على انخفاض التقلبات.
على الرغم من ذلك كله، فإن تقلبات هذا الأسبوع كانت بمنزلة صدمة. وفي حين لا يعرف أي أحد ما إذا كان ليلكانا موجود في الواقع، لأن منصة ريديت تضع الأسماء بصورة مستترة، إلا أن المنشور هو مثال على نقطة أكبر: على الرغم من أن الأسواق استقرت منذ ذلك الحين، إلا أن تصحيح هذا الأسبوع يعتبر علامة تحذير قوية على وجود مخاطر أكبر بانتظارنا.
يواجه العالم المالي ما لا يقل عن ثلاث قضايا رئيسة، بأصداء منعكسة من الماضي: المال الرخيص الذي عمل على إحداث ارتفاع في الرفع المالي، وأسعار الصرف المنخفضة التي عملت أيضا بدورها على تعزيز الهندسة المالية، ومن ثم الجهات المنظمة التي تجد من الصعب عليها تعقب تلك المخاطر، جزئيا، لأنها مجزأة بشكل كبير.
قضية الدين هي القضية الأسهل من حيث الفهم. عندما انفجرت الأزمة المالية قبل عقد من الزمن، كان المحفز على ذلك هو الإفراط في الاقتراض بين المستهلكين الأمريكيين والمؤسسات المالية. والحمد لله أن ذلك قد انحسر. ولدى المصارف وصناديق التحوط الغربية، رفع مالي أقل بشكل كبير من قبل.
هذا الأمر مهم ويبعث على الطمأنينة. ذلك أنه يعني أن جوهر النظام المالي أصبح سليما بشكل أفضل بكثير. ومن غير المرجح أن نشهد حدوث أزمة كتلك التي حصلت في عام 2008، عندما انهارت سلسلة من المصارف.
بيد أن هذا لا يعني أن الديون اختفت. بل على العكس من ذلك. يقدر بنك التسويات الدولية أن نسبة الدين العالمي إلى الناتج المحلي الإجمالي أصبحت الآن أعلى بنسبة 40 في المائة - نعم، أعلى - اليوم مما كانت عليه قبل عقد من الزمن. ويعزى ذلك جزئيا إلى ارتفاع الاقتراض الحكومي في الغرب. كما انفجر أيضا الدين الصيني. لكن الرفع المالي أخذ يتسلل، بشكل غير ملاحظ تقريبا، إلى عالم الشركات.
على سبيل المثال، يقدر مؤشر ستاندرز آند بور أن ديون الشركات العالمية غير المالية زادت 15 نقطة مئوية لتصل إلى 96 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الست الماضية، مع نحو 37 في المائة من الشركات التي تعتبر "من ذات الرفع المالي العالي"، مرتفعة من أصل 32 في المائة في عام 2007.
وفي حين أن هذه ديون من السهل خدمتها في عالم يتسم بانخفاض أسعار الفائدة، إلا أن المصارف المركزية آخذة في رفع أسعار الفائدة.
في الواقع، ارتفعت هذا الأسبوع عائدات سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات لمستوى يفوق 2.8 في المائة. أحد السبل لتفهم واستيعاب أحداث هذا الأسبوع هي أن المستثمرين بدأوا في التيقظ لمثل تلك القضايا.
يسلط هذا الضوء على نقطة ثانية: أن الهندسة المالية انتشرت وتوسعت في حقبة من أسعار الفائدة المنخفضة. قبل عقد من الزمن، حاول المستثمرون تصنيع عائدات أعلى من خلال منتجات مثل التزامات الديون المضمونة.
هذا الأسبوع، ظهرت مختصرات أخرى مكونة من ثلاثة أحرف، مثل تلك الاختصارات (إي تي إن) الأوراق النقدية المتداولة في البورصة، التي انفجرت.
الحمد لله أن حجم تلك المنتجات الغريبة التي تسبب الفوضى هذا الأسبوع تراوح ما بين ستة وثمانية مليارات دولار فقط، وهي تؤثر فقط في أسواق الأسهم، وليس في قنوات الائتمان. على أن النقطة الأكثر أهمية هي التالية: في السنوات الأخيرة، عمل الكثير من المستثمرين على بناء محافظ استثمارية على افتراض أن تلك الأسعار ستبقى منخفضة.
لن يكون من السهل تفكيك ذلك بهدوء.
ما يزيد الطين بلة، أن تركيبة الأسواق آخذة في التغير بسبب الثورة الرقمية. يقدر بنك جيه بي مورجان أنه يجري تداول 10 في المائة فقط من الأسهم اليوم على الطراز القديم، من قبل متداولين بشر يتمتعون بسلطة اختيارية، ويجري التوسط من أجل البقية بواسطة برامج حاسوبية.
يبدو هذا بأنه قد أسهم في إحداث تقلبات السوق العنيفة التي شهدناها الأسبوع الماضي. كما يعمل أيضا على إيجاد مشكلة عملية للجهات المنظمة: المسؤولون الرسميون والمستثمرون الذين يتفهمون القضايا الإلكترونية، يغلب عليهم العمل في أقسام مختلفة عن تلك الأقسام التي يعمل فيها من يدرسون القضايا المالية.
الخبر السار هو أن هذه القضايا لن تعمل بالضرورة على استثارة أزمة شاملة لا تبقي ولا تذر - على الأقل في أي وقت قريب.
جوهر النظام المالي أصبح الآن سليما أكثر من قبل، والجهات المنظمة أكثر حنكة (قليلا)، والاقتصاد العالمي لا يزال آخذا في النمو، ولا يزال الكثير من المستثمرين يملكون الكثير من الأموال النقدية.
النقطة المهمة التي يجب أن نفهمها هي أنه في الوقت الذي ترتفع في أسعار الفائدة، فإنه يكاد يكون من المؤكد أننا سوف نشهد المزيد من الصدمات المالية. لذلك تستطيع، إن شئت، أن تستهزئ بحماقة ليلكانا، على أن رهانه السيئ كان مجرد نسخة متطرفة من اللعبة التي يلعبها كثير من اللاعبين، في عالم من الأموال الرخيصة وارتفاع الديون. إن تجاهلت ذلك فإنك تعرض نفسك للخطر.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES