FINANCIAL TIMES

بافيت يقود الانقلاب على الرعاية الصحية الأمريكية الجائرة

في آذار (مارس) الماضي، كتبت مقالة جادلت فيها بأن أصحاب العمل في الولايات المتحدة ينبغي أن يكونوا أول من يُطالب بإصلاح الرعاية الصحية.
على عكس نظرائها في بقية العالم المتقدم، فإن الشركات الأمريكية مسؤولة عن تغطية تكاليف تأمين الرعاية الصحية لثُلثي سكان البلاد.
حتى لو لم يكُن الإنفاق على الرعاية الصحية في البلاد ضعف معظم الإنفاق في بقية البلدان الغنية، مع نتائج أسوأ بكثير، فإن هذا لا يزال عيبا تنافسيا في سوق عالمية، حيث لا يتحمل المنافسون ذلك العبء.
مع ذلك، من الممتع أن ثلاثة أشخاص أقوياء من الشركات الأمريكية الكبرى - وارن بافيت، وجيف بيزوس وجيمي دايمون - يتبنون هذه القضية من خلال إطلاق منظمة مدعومة برسملة سوقية مجتمعة تبلغ 1.62 تريليون دولار من شركاتهم، تهدف إلى تقديم "رعاية صحية مبسطة، ذات جودة عالية وشفافة بتكلفة معقولة".
على أن السؤال يظل هو: أي جزء من هذه العقدة الشائكة من الرعاية الصحية الأمريكية سيتمكنون من كشفه؟
ما الفرق الذي يُمكن أن تُحدثه المبادرة تلك ولمصلحة من؟ الولايات المتحدة لديها نظام رعاية صحية غامض للغاية "بشكل مذهل: نحن نلتزم بالدفع للخدمات قبل أن نعرف تكلفتها"، وغير فعال "الأسواق محلية بشكل مفرط وذات تكنولوجيا منخفضة نسبياً" ومتشعب "الأغنياء والفقراء يملكون مستويات مختلفة جداً من الرعاية والنتائج".
هذه القضايا الثلاث تؤثر في الإنتاجية والنمو، ناهيك عن التقلب الاقتصادي للناس العاديين. الحالات الطارئة للرعاية الصحية والتكاليف الناتجة عنها، هي السبب الأول للإفلاس الشخصي في الولايات المتحدة.
ارتفاع الأسعار يعني أن مزايا الرعاية الصحية تُشكّل الآن نحو 20 في المائة من مجموع تعويضات العاملين "بارتفاع من 7 في المائة في الخمسينيات"، الأمر الذي يُسهم في ركود الأجور.
هذا، بدوره، سبب رئيسي في أن معدل النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة ليس هو أعلى.
حاولَتْ تكتلات مؤسسية في الأصل مثل تحالف تحويل الرعاية الصحية، وهو مجموعة من 46 شركة كبيرة، معالجة هذا الأمر، وبما أن الولايات المتحدة ليس لديها سوق رعاية صحية وطنية واحدة، يجب التفاوض على العقود والخصومات مع شركات التأمين، والمستشفيات ومقدمي الخدمات، بشكل فردي وهو ما يفاقم من التعقيدات ويرفع من التكلفة النهائية للفواتير.
في حين إن السياسيين، بما في ذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يجادلون بأن بيع التأمين عبر خطوط الولايات يُمكن أن يحل هذه المشكلات، إلا أن الحقيقة هي أن الرعاية الصحية في الولايات المتحدة هي عمل محلي جداً.
القدرة على الاستفادة من وفورات الحجم والنطاق تعتمد على عدد الموظفين الذين بإمكانك تسجيلهم مع مقدم خدمات معين.
هذا نموذج يُناسب نموذج الوظائف القديم لمدى الحياة بشكل أفضل من اقتصاد الوظائف المرنة في القرن الحادي والعشرين.
قد يكون الثُلاثي المكون من السادة بافيت وبيزوس ودايمون قادرا على خفض التكاليف بالنسبة إلى العاملين لديهم - ما إذا كان بإمكانهم فعل ذلك للآخرين بدون تحولات هيكلية في صناعة الرعاية الصحية، فهذا أمر مشكوك فيه.
هناك فائدة أكبر يُمكن أن تأتي إذا استثمر الثلاثي في أساليب أكثر ابتكاراً لتقديم الرعاية. الرعاية الصحية هي واحدة من الصناعات الأقل رقمية في الولايات المتحدة، وذلك وفقاً لمعهد ماكينزي العالمي، ما يجعلها هدفاً واضحاً لشركة مثل شركة أمازون "على الرغم من أنها يجب أن تكون حذرة جداً لحماية بيانات المرضى، وعدم استخدامها لأغراض تجارية أخرى".
هناك أيضاً أمر سهل في تطوير المدفوعات "المجمّعة" أو الموحّدة، حيث يتم تقديم مجموعة من الخدمات مقابل سعر ثابت.
بعد أن أنجبتُ طفلين في مستشفى تابع لخدمة الرعاية الصحية في المملكة المتحدة، دائماً ما كنت أشعر بالدهشة من أن بإمكاني الحصول على كل احتياجاتي - من الفحوصات الأساسية إلى زيارات المتخصصين - بسرعة وفعالية في نفس المكان.
كل مقدم خدمة صحيّة كانت لديه إمكانية الوصول إلى جميع معلوماتي الطبية رقمياً.
حقيقة أن هذه ليست هي الحال في الولايات المتحدة، يُخبرنا إلى أي مدى ينبغي أن تمضي البلاد.
مع ذلك، فإن التحدي الأكبر في نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة ليس تقنياً، بل وجودي في حقيقة الأمر. الأمريكيون لديهم شعور بالاستحقاق بشأن كثير من الأشياء، والرعاية الصحية تتصدر القائمة.
معظم البلدان الغنية قررت قبل قرون من الزمن أنه من المنطق الاقتصادي والسياسي والأخلاقي تقديم مستوى أساسي من الرعاية لجميع المواطنين، بدلاً من التقديم للجميع "خيار" المعالجات الطبية الأكثر تطوراً، مهما كانت التكلفة.
لا يزال الأمريكيون متشبثون بأسطورة أن "الاختيار" هو ما يجعل النظام عادلاً.
ليس مهماً أن عددا أقل باستمرار من الناس لديهم أي نوع من الاختيار على الإطلاق - ولا سيما الآن أن صلاحية برنامج أوباماكير الفردية، التي تتطلب حصول الجميع على شكل من أشكال التغطية، قد ألغاها ترمب.
نظام ميديكير، النسخة الأمريكية من خدمة الرعاية الصحية لكبار السن، يوفر شبكة أمان أساسية، لكنه يدعم أيضاً مجموعة متنوعة من المعالجات المكلفة والمشكوك فيها، المال الذي يُمكن نشره بشكل أفضل لتقديم مزيد من الخدمات الأساسية لمزيد من الناس.
نحن نرفض إجراء نقاش حقيقي عن حقيقة أن رعاية نهاية العمر التي تستنزف الموارد، تُشكل الحصة الأكبر من الإنفاق الطبي.
باختصار، نحن نُعطي الأولوية للفرد على حساب الجماعة، في الرعاية الصحية كما هي الحال في معظم مجالات مجتمعنا.
إنها الطريقة الأمريكية، لكنها لم تعد مستدامة. بافيت مُحق عندما قال إن تكاليف الرعاية الصحية هي "دودة شريطية جائعة" تلتهم نمونا الاقتصادي وازدهارنا.
أفضل طريقة لإصلاح الوضع ستكون التماهي مع جميع الاقتصادات المتقدمة الأخرى، والانتقال إلى نظام وطني شامل للرعاية الصحيّة.
بدلاً من هذا الحل "الذي لا يزال" غير عملي سياسياً، أنا سعيدة أن عددا من أذكى رجال الأعمال في البلاد، قد باتوا متحمسين للتغيير.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES