ثقافة وفنون

ربيع قرطبة .. عودٌ على «تمزق» التاريخ

شكلت الرواية الاجتماعية قطب الرحى في الساحة الروائية العربية، طيلة عقود من الزمن؛ مع أساطين من طينة نجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف والطيب صالح .. وآخرين. بيد أن تطورات وتعقيدات الحياة المعاصرة، أبانت عن عجز هذا النمط الروائي عن المواكبة، ما فسح المجال أمام الرواية التاريخية للعودة؛ بقوة في السنوات الأخيرة، مستغلة غبش الأوضاع، وغموض المآلات حتى بدأت الخرائط العربية تتمزق، ذاك ما فرض استدعاء التاريخ بحثا عن إجابات للأسئلة الحارقة التي تحاصر واقعنا العربي.
هذا ديدن الروائي المغربي حسن أوريد، فبعد روايته "الموريسكي" (2011)، يعود مجددا إلى اعتماد التاريخ موضوعا وأداة في الكتابة، في روايته "ربيع قرطبة" (2017)، في فترة ذهبية من تاريخ الأندلس؛ إبان حكم الخليفة الحكم المستنصر بالله (915 – 976م)؛ ثاني خلفاء الأندلس بعد والده عبد الرحمن الناصر لدين الله، مؤسس الخلافة بالأندلس.
يستغرق أوريد في "ربيع قرطبة" في وصف الطقوس وبنية السلطة وهواجس السلطان وتطلعات الحاشية، مؤطرا المتن الروائي بإيقاع وأحداث بلاط قرطبة، مما تعج به كتب التاريخ. ما قد يجعل العمل ظاهريا مملا بالنسبة للقارئ العادي، لكنه لن يبقى كذلك حينما يعلم أن جوانب عدة من الروائية مستوحاة من التجربة الشخصية للكاتب. فقربه سابقا من قمرة القيادة في نظام الحكم بالمغرب كزميل دراسة لولي العهد، ثم ناطق باسم القصر الملكي لسنوات، أعطياه الكثير من الأشياء لفهم طبيعة السلطة وميكانزماتها، والبنية الذهنية وأثرها.
يستدعي أوريد في "ربيع قرطبة" التاريخ؛ من موقعه كمؤرخ سابق للمملكة، ويعيد بناء بياضاته بالخيال، وينجح في طرح أسئلة مزمنة حول السلطة، أسئلة تظل عابرة للأزمان والحقب. وبذلك تتحول الرواية من مجرد متن أدبي إلى محاولة لاجتراح فهم وتفسير خاص؛ عبر المخيال وتقنيات الكتابة الأدبية، لخبايا تدبير الدولة وفنون تسيير أمور الشعب والرعية.
اختار الكاتب لهذا الموضوع، واحدا من أقوى ملوك الدولة الأموية في الأندلس، الحكم المستنصر بالله بطلا لروايته، على اعتبار أن الرجل تملك رؤية متفردة لمسايرة عصره، وتدبير دولته التي ورثت أقوى الأجهزة وأعتى الأسلحة. غير أن أوريد لم يحدثنا على لسان السارد (الحكم نفسه)، عن جانب العلم والمعرفة الذي ارتبط بالخليفة في كتب التاريخ؛ فقد جمع خزانة فيها أزيد من 400 ألف عنوان، بل اقتصر في حكايته على "سؤدد الملك وصولة السلطان".
يدخل أوريد إلى المطبخ السري للسلطة روائيا؛ بعد أن خبرها واقعيا، ويبحر في عوالمه ودهاليزه، بسرد مجريات الأحداث داخل قصر قرطبة وخارجه، وكشف العلاقات بين أفراد الأسرة الحاكمة، والصراعات الضارية بين الحاشية، والحروب مع الدول المجاورة والعمران والتمدن... كل ذلك بغرض تقديم رؤية عن الحكم من الداخل، لا كما تمثله العامة من الناس، بل كما يتصوره الخليفة نفسه؛ باعتباره يقوم على شخصية مزدوجة: "كان أول درس لي في هذا اللقب الذي كنت أحمله، ولي العهد، ولهذه الأمانة التي سوف أتقلدها، خليفة المسلمين، أن أعيش حياتين، وأدبر أمرين متضاربين في نفسي، وأتعايش مع هذا التمزق طوال عمري".
تجيب لعبة السرد في الرواية عن سؤال كيف تحول السلطة الحاكم إلى كتلة بشرية منزوعة الأحاسيس؟ من خلال رصد التحولات التي طرأت على حياة "الحكم" (الخلفية = السارد)، منذ كان وليا للعهد ثم خليفة، قبل أن يعمد إلى الانسلاخ أخيرا من الدثار الثقيل للسلطان، ومحاولة استرجاع قليل من إنسانيته المفقودة، من خلال تجربة الحكي والبوح «هي الدولة، أنا من لا يقوى على قتل ذبابة، أمرت بحز رؤوس، وألقيت بأقوام في أتون الهلاك. تيتم أطفال، وترملت نساء، وثكلت أمهات، بسبب قرار قررته، وسياسة انتهجتها. ولكني لست من كان يأمر، بل الخليفة".
إننا أمام شهادة للخليفة، أوكل مهمة نقلها للفتى البربري زيري «عن قريب ألقى الله وينبغي أن تشهد عني، وأن تكون هذه الشهادة كفارة لي". وقد تحول هذا الاعتراف إلى ما يشبه محاكمة للسلطة التي تقوم على اقتلاع الحاكم من طبيعته الفطرية.
وظهر تأثير السلطة على الخليفة من خلال تعامله مع الشخصيات التي رافقت ولي العهد في مسيرته التعليمية، وخبرت نقط ضعفه وقوته. فباستثناء جعفر بن عثمان؛ الذي سيصبح لاحقا حاجبا للخليفة، تعرض باشكوال (القوطي) للإقصاء والإهانة، لا لسبب إلا لأنه عزيز النفس، يقول الحقيقة للأمير دون مواربة. وشق يحيى بن كنون عصا الطاعة، وهرب إلى المغرب ومن هناك حارب الخليفة، لأن الأخير لم يكن يثق بالذين يحبون آل البيت، وبن كنون كان واحدا منهم.
إنها صورة أخرى للعلاقة المتوترة بين المثقف والسلطة، فعلى لسان الخليفة يورد السارد حقيقة وصل إليها بعد فوات الأوان؛ إذ يقول تعليقا على علاقته بباشكوال: «أما باشكوال فكان ينصحني بما يطابق مصلحتي... لم يكن يراعي طبعي، ولا يأخذ بعين الاعتبار وضعي... وكان ذلك يؤذيني...»، قبل أن يضيف «والحقيقة أننا الأمراء، مهما زعمنا خلاف ذلك، لا نحب إلا من يجارينا، ولا نقرب إلا من يذهب مذهبنا نظل أطفالا صغارا».
إن العودة القوية للرواية التاريخية عربيا ليست غاية في حد ذاتها، فالتاريخ حرفة لها أصحابها، والرواية ليست تاريخا، بل هي توظيف للتاريخ ومساءلة للواقع. ف"ربيع قرطبة"؛ كما جاء على لسان أوريد في أحد حواراته، صورة من الماضي عن صراع الحاضر بين عالمين: السني وتمثله الدولة الأموية، والشيعي وتمثله دولة الفاطميين، وهذا الصراع يحيلنا إلى ما نعيشه اليوم، أو على الأصح: صراع اليوم ما أحالنا على التاريخ.
انحلال دولة الخلافة آنذاك - يضيف أوريد- يذكرنا بضعف وانحلال العالم العربي، واستقواء البويهيين وبعدهم السلاجقة، يذكرنا بما يجري الآن من دور لكل من إيران وتركيا في رسم معالم المنطقة. ثم إن الإحالة على القرامطة وما يمثلونه من فهم جذري للإسلام يذكر بـ"داعش". فهذا التاريخ لم يمض، ونحن نحتاج أن نعرفه، ونسائله، من أجل فهم أعمق لواقعنا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون