ثقافة وفنون

صوالين أدبية سعودية .. نقاش «فقير» وعشاء باذخ

سجل التاريخ أن أول صالون أدبي في الثقافة العربية كان في المدينة المنورة، في القرن الأول الهجري، حينما استضافت السيدة سكينة بنت الحسين في منزلها الشعراء والفقهاء ورواة الحديث.
لكن الصوالين الأدبية اليوم في حالة "موت سريري"، بعد أن اندثرت أغلبيتها، وباتت تحيد عن أهدافها، تميل إلى المجاملات والوجاهة الاجتماعية، وتجمع النخبة، فيها سرقت وسائل التواصل الاجتماعي دورها الجوهري.

تقديم المعرفة والعلم
ظهرت كلمة "الصوالين" - جمع صالون - في فرنسا عام 1664م، وهي مشتقة من المفردة الإيطالية صالون، أي قاعة الاستقبال، وكانت تبدأ الجلسة عادة بقراءة قصيدة أو مقطع من رواية أو كتاب، أو مقال نشر حديثا، ثم يختار الضيوف جانبا أو محورا ثقافيا ويتناقشون فيه، فيما كان المضيف يختار ضيوفه ومتحدثيه من خلفيات مختلفة، لإثراء الحوار وتوليد الأفكار.
أما العالم العربي، فشهد قيام مئات الصوالين، التي كان لها دورا أساسيا في رواج الفنون والآداب، وقدمت عددا من الفنانين والمغنيين والشعراء والأدباء إلى المجتمع، وغدوا لاحقا من المشاهير الذين تلاحقهم الأضواء والمعجبين.
لم تكن الصوالين خير مروج للثقافة فقط، بل مجالس للتعليم، بمنزلة جامعات غير رسمية، مثل مجلس ولادة بنت المستكفي في قرطبة بالأندلس، الذي كان مقصدا للناس من كل الطبقات والأديان، رجالا ونساء، يتم فيه تعليم القراءة والكتابة والموسيقى، ومن رواده ابن حزم الأندلسي وابن زيدون.

فكرة نسائية
يكشف مؤرخون أن فكرة الصوالين الأدبية تبلورت على يد امرأة، إذ تعتبر فكرة نسائية بامتياز، بدأنها النساء في القرن السابع عشر، واستمرت حتى وقتنا الحالي. وفي المملكة، ظهرت صوالين خاصة بالنساء، بدأنها نساء فاضلات منذ أكثر من ربع قرن، ولا تزال تنعقد بشكل دوري، رغم توقف بعضها مع ظهور التقنيات الحديثة، أو وفاة مؤسسيها.
من بين هذه الصوالين؛ رواق بكة النسائي المهتم بحراك المرأة المكية والقضايا الاجتماعية والثقافية، و"صالون الأربعائية" لصاحبته سارة الخثلان، الذي بدأ بأمسيات شعرية، أو نقاش حول كتاب معين، أو محاضرة تربوية، ومثلها منتدى نون الثقافي النسائي، وصالون مها أحمد فتيحي التي قدمت المرأة السعودية المثقفة.

«سواليف مجالس»
شهدت السنوات الأخيرة تغييرات ثقافية كبيرة، فالمتتبع للقاءات الصوالين الأدبية والملتقيات والمجالس المختلفة في مناطق مختلفة من المملكة، يجد أن أغلبيتها العظمى تبحث عن استضافة كبار المسؤولين، وبعض مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يستأثرون بالحديث ولا يمنحون الآخرين فرصة لطرح فكرة مغايرة أو إبداء الرأي، ويحضرها ضيوفا إما من النخبة أو كبار السن من أصدقاء المضيف، فيما تقدم موضوعات هامشية لا تهم المجتمع، أو شائعات وكلام هنا وهناك، أشبه ما تكون بـ "الثرثرة".
وبحسب مثقفين، فإن مجالس وصوالين كثيرة لا يمكن أن يطلق على الموضوعات التي تطرحها إلا "سواليف مجالس" أو "ثرثرة أشخاص" تحكمهم أدبيات الصداقة، ولا تقدم سوى إضاعة الوقت والتنظير فيما لا طائل منه، لكن آخرين يدافعون عنها كونها تساعد في إثراء الحركة الثقافية، وإن اضمحل معظمها، وغابت جرأة الموضوعات وقوتها عما كانت عليه سابقا.
ويكشف مثقفون سعوديون لـ "الاقتصادية" عن عدم رضاهم عن تسمية تلك المجالس "صوالين أدبية"، فهي بحسب وصفهم لا تقدم أدبا بقدر ما تقدم تسلية لروادها، ومجالس غير رسمية، بعضها تفتح أبوابها لحملة الدعوات الخاصة، ولا تضيف أدبا أو ثقافة، وإنما تقوم عادة على دعوة ضيف شهير، تبدأ بنقاش "هش"، وتنتهي بجلسة عشاء.
القاعدة تحمل دائما استثناءات، وفي المملكة مجالس وصوالين ثقافية قدمت - ولا تزال - الثقافة والأدب كما يجب أن تكون، وتشكل واجهة حضارية مشرقة، ومن أشهرها "إثنينية خوجة" بجدة، المقامة مساء كل إثنين بدار عبدالمقصود خوجة، وتعتبر صالونا حقيقيا، يستضيف العلماء والأدباء من داخل المملكة وخارجها، وتكرم رجال الثقافة والأدب والعلم، ويغطي وقائعها رجال الصحافة، ومثل شهرة ورقيها سبتية حمد الجاسر بالعاصمة، و"خميسية الموكلي" و"خميسية النعمي" بجازان، وصالون باشراحيل بمكة المكرمة، ومنتدى القحطاني بجدة.

افتقاد الموضوعات معاصرة
تفتقد الصوالين الأدبية والاجتماعية لمناقشة الموضوعات المعاصرة والجادة، مثل مناقشة القضايا الفكرية التي تؤدي إلى التطرف والإرهاب، أو الخلافات الطائفية، والتغيرات الاجتماعية التي تشهدها المملكة، ودور المثقف في قضايا وطنه، والسرقات الأدبية، واستعراض السير الذاتية والتجارب الشخصية الناجحة، وحتى المناظرات الثقافية، وقياس الوضع الثقافي والفكري في المجتمع، وبناء علاقات بين النخب والأطياف الثقافية المختلفة.
أما التخصص فيجب أن يكون واضحا، إذ تفتقد بعض الصوالين الاجتماعية والثقافية التخصص في مجالها، فعلى سبيل المثال، تتجه بعض الصالونات الثقافية إلى مناقشة الملفات الاقتصادية تارة، والرياضية تارة أخرى، والعودة مجددا إلى دائرة الأدب والثقافة، فلا تحافظ على الجمهور، فيما حولت صوالين أدبية بوصلتها إلى مناقشة قضايا الحي والمدينة ومشاكلاتها، بما يشبه المجلس البلدي.
ويقترح مثقفون على هذه الصوالين أن تكون منبرا ثقافيا, يتبنى الموهوبين والمثقفين الشباب، ويفتح لهم الباب لتقديم أنفسهم وأدبهم، وإفراغ طاقاتهم، وتمويل أعمالهم ومؤلفاتهم، وهو الدور الذي فشلت الأندية الأدبية بتحقيقه.
ويلاحظ في الآونة الأخيرة اتجاه المثقفين نحو وسائل التواصل الاجتماعي، التي نجحت في جذب المثقف السعودي نحوها، لكنهم يشتكون في الوقت نفسه من خروج بعض النقاشات عن مسارها، والكتابة تحت أسماء مستعارة، وافتقاد أدبيات النقاش واحترام الرأي الآخر.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون