FINANCIAL TIMES

نهب بورصة افتراضية يفسد احتفاء اليابانيين بالعملات الرقمية

عندما جلست في مكتبها يوم الجمعة الماضي، تلقّت كوموجي يامازاكي، المديرة في موقع إلكتروني لأخبار المشاهير، عضوة فرقة فتيات أيدول ومستثمرة العملة الرقمية الشرهة، رسالة إلكترونية غير عادية.
بورصة العملات الافتراضية المفضلة لديها، أي بورصة كوينتشيك - المُعلن عنها على التلفزيون وقت الذروة من قِبل واحد من الكوميديين الأكثر شهرة في اليابان وتضع فيها ملايين الين الخاصة بها - لم تعُد تسمح بسحب عملة تُدعى إكسيم.
يامازاكي، التي تشترك مع جيوش من اليابانيين الشباب المتورطين في طفرة التشفير، كانت تبني مخزونات من عملة إكسيم منذ أشهر، تُعيد الاستثمار بشكل مستمر في الوقت الذي يرتفع فيه السعر أكثر بكثير.
كانت على وشك رفض البريد الإلكتروني باعتباره نوعا من صيانة البرمجيات.
ثم جاءت التغريدات المُثيرة للقلق من شخصيات بارزة في وسائل الإعلام اليابانية التي تتداول الشائعات ومقتطفات الأخبار، تبعها ذعر كامل.
وسرعان ما أدركت، أن عملتها إكسيم الثمينة قد سُرقت من قِبل قراصنة في واحدة من أكبر السرقات في التاريخ.
"كنت أؤمن تماماً ببورصة كوينتشيك. كنت أثق بها"، كما تقول يامازاكي، التي تمتلك حسابات تداول في أربع بورصات أخرى وأصبحت خبيرة في استغلال فجوات الأسعار بينها. "دائماً ما كانوا يتحدثون عن الأمن، لكن هذا كان مجرد كلام".
سرقة 523 مليون من عملة إكسيم - ما يساوي نحو 500 مليون دولار - أعاد ذكريات ميت جوكس، بورصة أخرى قائمة في طوكيو، التي انهارت بعد اختراق مماثل في عام 2014، تاركةً المستثمرين مُدمرين وأنهت أول طفرة لعملة البيتكوين بشكل بشع.
بالنسبة لتجار التشفير الشباب مثل يامازاكي، دخلت عبارة "أن تُصبح جوكس" المفردات كفعل لانهيار أي بورصة، لكن بالنسبة للسلطات اليابانية التي قادت العالم في تشريع العملات الرقمية من خلال التنظيم، هذه تذكرة مرعبة لما يُمكن أن تكون عليه تكلفة الابتكار المالي.
ثُلث بورصات البيتكوين في العالم تعرّضت للاختراق بين عام 2009 وعام 2015، كما تقول السلطات الأمريكية.
المستشارون الفنيون والقانونيون للحكومة اليابانية هم أكثر صراحة بكثير بشأن نقاط الضعف. في الوقت الذي يتكشف فيه فشل بورصة كوينتشيك، مصداقية وكالة الخدمات المالية تقترب من الفشل.
تأتي سرقة بورصة كوينتشيك وسط تقلّب أوسع في العملات الرقمية. البيتكوين وغيرها في تراجع بعد طفرة مذهلة أدت في بعض الحالات إلى رفع الأسعار بمئات الأضعاف في الأشهر القليلة الأخيرة من عام 2017.
المستثمرون اليابانيون غذّوا هذا الارتفاع، حيث غالباً ما بلغ تداولهم بالرفع المالي 40 في المائة من المجموع العالمي.
في الوقت الذي تحاول فيه الصين وكوريا الشمالية حظر العملات الافتراضية، بينما تُثار التساؤلات حول بورصة بيتفينيكس القائمة في تايوان وعملة تيثر الرقمية، فإن مستقبل الطفرة قد يعتمد على ما إذا كانت يامازاكي سوف تستعيد عملة إكسيم الخاصة بها.
يوسوكي أوتسوكا، كبير الإداريين للعمليات في بورصة كوينتشيك، تمتع بطفرة العملة الرقمية بقدر أي شخص آخر.
في الساعة الخامسة مساءً من يوم الخميس الموافق الخامس والعشرين من شباط (فبراير) الماضي، قبل ساعات من عملية السرقة، كان يتفاخر بها، حيث أخبر أحد الصحافيين من صحيفة نيكاي اليومية، "إنها حمى الذهب في العصر الحديث.
بورصات العملات الرقمية وصلت بالفعل إلى أرقام قياسية. نحن متفوقون وبيتفلاير تبلغ نحو نصف حجمنا".
كانت بورصة كوينتشيك تملك سمعة باعتبارها البورصة الأبسط والأسهل استخداماً في اليابان، وأُصيبت البلاد بجنون التشفير. وكان مديروها بقيادة الرئيس التنفيذي كويشيرو وادا البالغ من العمر 27 عاماً، قد باتوا في عداد الأثرياء جداً.
في الساعات الأولى من السادس والعشرين من كانون الثاني (يناير) الماضي، كان هناك نوع مختلف من المستخدمين، وجد بورصة كوينتشيك ودّية للغاية.
مثل لص قطط في جوف الليل، تسلل قرصان اخترق أمن الشركة، ووجد ثروة في عملة إكسيم تقبع في "محفظة ساخنة"، في جهاز كمبيوتر متصل بالإنترنت. أفضل ممارسة هي إبقاء العملة الرقمية في "محفظة باردة"، معزولة عن الشبكة.
حتى الآن لا توجد معلومات عن موقع القراصنة، أو هويتهم أو كيف تمت عملية السرقة. بعض التفاصيل مرئية في تكنولوجيا البلوكتشين لعملة إكسيم. بعد دقيقتين من منتصف الليل، كما لو تم التشكيك بالكنز أمام أعينهم، أرسل القراصنة 10 إكسيمات فقط، تبلغ قيمتها نحو 10 دولارات، من بورصة كوينتشيك إلى محفظتهم التي يُمكن تتبعها. بعد ذلك دخلوا وسلبوا الخزانة الرقمية.
خلال الدقائق الثمانية التالية، في ستة معاملات منفصلة، سرق القراصنة 520 مليونا من عملة إكسيم. عند تقدير قيمة عملة إكسيم حسب سعر سوق الأسبوع الماضي، كانت تبلغ نحو دولار لكل عملة، كانت واحدة من أكبر السرقات في التاريخ، على مستوى يعادل النشاط لصوص المصارف أو لصوص اللوحات الفنية التي لا تقدر بثمن.
ربما صُدم بسبب غنيمته، حيث لم يفعل القرصان أي شيء خلال الساعتين المقبلتين؛ أو على الأقل لم تكُن هناك حركة على البلوكتشين. في نحو الساعة الثالثة صباحاً، بدأ القرصان بإرسال العملات إلى محافظ رقمية أخرى، لكن أنظمة بورصة كوينتشيك كانت لا تزال مفتوحة على مصراعيها. في نحو الساعة 3.35 صباحاً، أخذوا 1.5 مليون عملة أخرى. في الساعة 4.33 صباحاً، أخذوا مليونا آخر، ثم في الساعة 8.26 صباحاً، مدوا أيديهم لسرقة 800 ألف عملة. تم استنفاذ بورصة كوينتشيك.
الخزانة كانت فارغة، لكن مدير المصرف استغرق وقتاً طويلاً ليُدرك ذلك. ذهب موظفو بورصة كوينتشيك إلى العمل يوم الجمعة كالعادة، حتى حلّت الساعة 11.25 صباحاً قبل أن يلاحظوا أن هناك شيئاً غير سليم، عند بدء اندفاع يائس بعد انتشار الخبر وبدأ حشد من المستثمرين والصحافيين في التجمع خارج مكتبهم في مقاطعة شيبويا العصرية في طوكيو.
في وقت متأخر من المساء، بعد نحو 24 ساعة على اختراق القراصنة، وادا ذو الوجه الشاحب وأوتسوكا وجّها اعتذاراً أمام كاميرات التلفزيون. قال أوتسوكا: "أعتذر بشدة للزبائن الذين شعروا بالقلق".
عملة إكسيم، التي تُلفظ "زيم"، هي العملة الرقمية الداخلية لنظام يُدعى نيم، واحد من عدد من تكنولوجيات البلوكتشين من الجيل الثاني، مثل إيثيريوم، المصممة كمنصة للشركات لبناء التطبيقات.
من أقل من سنت أمريكي واحد في كانون الثاني (يناير) من عام 2017، ارتفع سعر عملة إكسيم أكثر من 10 آلاف في المائة بحلول وقت الاختراق.
تعهدت بورصة كوينتشيك بالدفع للزبائن المتضررين البالغ عددهم 260 ألف زبون بمعدل يبلغ 80 سنتا لكل عملة إكسيم - ما مجموعه 422 مليون دولار. السؤال الحاسم بالنسبة للمستثمرين مثل يامازاكي هو ما إذا كانت تملك الأموال لتفعل ذلك.
رفضت الشركة التعليق على مواردها المالية، لكن استناداً إلى أحجام التداول، يُقدّر المنافسون أن بورصة كوينتشيك قد تكون كسبت إيرادات بقيمة 2-3 ملايين دولار يومياً خلال طفرة العملة الرقيمة، مع أصول الزبائن في عملة البيتكوين وغيرها من العملات الرقمية فضلاً عن عملة إكسيم تبلغ 5 مليارات دولار في وقت الاختراق.
قيمة تلك الأصول سوف تنخفض تماشياً مع عملية البيع للعملة الرقمية.
هناك سؤال حاسم هو ما إذا كانت بورصة كوينتشيك تملك حيازات كبيرة من العملة الرقمية في حسابها. هذا قد يمنحها الاحتياطات اللازمة للدفع.
إن من الشائع أيضاً التفاوض مع القراصنة، كما يقول المنافسون، وقد تكون بورصة كوينتشيك قادرة على دفع فدية مقابل عملاتها بمبلغ أقل في عملة البيتكوين أو عملة أخرى أكثر قابلية للاستخدام.
مؤسسة نيم، التي تُصدر عملة إكسيم، لا يُمكنها استرداد العملات، لكنها وضعت علامة عليها، مثل الأوراق النقدية مع أرقام متسلسلة، لذلك تستطيع البورصات معرفة ما إذا حاول القراصنة تحميل العملات المسروقة.
هذا يسلط الضوء على طبيعة الجريمة الغريبة. بورصة كوينتشيك وزبائنها خسروا، لكن ليس من الواضح من الذي كسب.
يقول جيف ماكدونالد، نائب الرئيس في مؤسسة نيم: "إذا لم تُنقل أو تُنفق عملات إكسيم المذكورة، فهذا يُقلل من العرض ويجعل بقية عملة إكسيم في النظام أكثر ندرة وبالتالي أكثر قيمة.
غير أنه إذا تمكن القرصان من بيعها، بإمكانه إغراق السوق وبيعها بسعر رخيص. هذا هو المثال المعاكس لارتفاع العرض وانخفاض الطلب. الوقت سيخبرنا أي سيناريو سيحدث".
في الوقت الذي تتراجع فيه سوق التشفير الأوسع، انخفض سعر عملة إكسيم إلى 50 سنتا. بالنسبة لوكالة الخدمات المالية في اليابان، المُحرَجة من اختراق كان من المفترض أن يمنعه تنظيمها، كشفت كوينتشيك عن افتقار الوكالة لكفاءة التشفير، كما يقول النقاد.
"لا يستطيعون فهم ما هو الرمز، الوظيفة الحقيقية لتكنولوجيا البلوكتشين، ما هي المحفظة الساخنة، وما هي المحفظة الباردة؟ في بداية العام الماضي كانت معرفتهم محدودة جداً"، كما يقول كين كاواي، المستشار القانوني لرابطة أعمال العملات الرقمية اليابانية.
غريزة وكالة الخدمات المالية الآن هي فرض حملة نظام، حيث داهمت بورصة كوينشيك وحذّرت بورصات اليابان الـ 31 المتبقية لتحسين أمنها.
كما عيّنت أيضاً خبراء تكنولوجيا معلومات خارجيين لإجراء عمليات التفتيش ووضع المبادئ التوجيهية لأمن المعلومات. نحو 100 مُشغّل قدموا طلباً للحصول على رخصة يواجهون الآن فترة انتظار طويلة.
مع ذلك لا تريد وكالة الخدمات المالية إطفاء نقطة ساخنة لريادة الأعمال. ما يُسمى التكنولوجيا المالية، مع العملات الرقمية كمثال رئيسي، هي جزء من الاستراتيجية الصناعية في طوكيو. الهدف هو إيجاد نمو في القطاع المالي المُحتضر في البلاد.
يقول كاواوي: "عندما كانوا وكالة الخدمات المالية يدرسون هذا التنظيم، فكّروا في الكيانات المشاركة بأنها شركات ناشئة، وليست شركات كبيرة. لهذا السبب، اعتقدوا أن قانون الأوراق المالية لم يكُن مناسباً: لقد كان شديداً جداً ومن شأنه أن يقتل الابتكار.
بسبب ما فعلته وكالة الخدمات المالية، أصبحت اليابان أول بلد في العالم تُحدد أعمال تداول التشفير. الآن يبدو أنهم يريدون تنظيم التشفير وفي نفس الوقت الاستمرار في تشجيع الابتكار على تكنولوجيا البلوكتشين".
حتى في الوقت الذي تضع فيه هيئة التنظيم خطة لخطوتها التالية، فإن بورصة كوينشيك تُفكّر في مآلات التلاشي، وينخفض سعر البيتكوين بنسبة 40 في المائة منذ بداية العام، ولو أن يامازاكي وغيرها من المستثمرين ظلوا جريئين في دعمهم.
تقول بعد التحقق من الأسعار على هاتفها: "نحن لا نزال مجانين بالتشفير. إذا كنت أشعر بالقلق بشأن أي شيء، فهو أن بورصة كوينتشيك قالت إنها ستُعيد أموالنا بعملة الين. هذا أمر فظ. نحن نريد أن يُدفع لنا بعملة إكسيم".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES