أخبار اقتصادية- عالمية

أسواق المال في حالة ذعر .. هل اقتربت النهاية القاسية؟

تعد البورصة من الموضوعات المحببة لدى دونالد ترامب، لا غرابة في ذلك، فقد رافقت الفترة الرئاسية الحالية للرئيس الأمريكي صعودا مستمرا في البورصة "وحطم سوق الأسهم رقما قياسيا تلو الآخر" حسبما قال ترامب مؤخرا في خطابه الأخير الذي قدم من خلاله كشف حساب عن الفترة التي قضاها في منصبه.
قال ترامب إن أرباح البورصة بلغت ثمانية تريليون دولار خلال السنة الأولى من حكمه وإن جميع الأمريكيين استفادوا من ذلك.
ولكن سرعان ما حدث الاستيقاظ المفزع أمس الاثنين حيث شهدت سوق الأسهم الأمريكية هبوطا حادا وجذب معه البورصات العالمية لأسفل.
فهل يعني ذلك نهاية سباق ترامب؟ الساعة الآن الثالثة عصرا بالتوقيت المحلي لنيويورك، تسود حالة طوارئ في بورصة وول ستريت، خسر مؤشر داو جونز الأمريكي أكثر من 800 نقطة خلال 15 دقيقة فقط ثم فقد نحو 1600 نقطة في ذروة انهياره، وهي خسارة لم يتكبدها في يوم واحد من قبل.
وفي نهاية اليوم كانت الخسارة أقل نسبيا حيث أغلق مؤشر داو بخسارة نحو 1100 نقطة مما يعني تراجعا بنسبة 6ر4%.
كانت آخر مرة يحدث فيها هذا التدني المفاجئ في عام 2011 "فما حدث اليوم يمكن أن يوصف بأنه انهيار" حسبا قال الخبير توماس ألتمان من شركة "كيو سي" للاستثمارات.
طال الغضب البورصات العالمية أيضا.
ففي اليابان تراجع مؤشر نيكي لأكبر 225 شركة بنحو ألف نقطة خلال أول 15 دقيقة من التعامل.
وفي الصين أيضا وهونج كونج وأستراليا كانت هناك خسائر واضحة.
لا يزال المستثمرون الألمان هادئين نسبيا، وظل مؤشر داكس بمعزل عن حاجز ما دون 12 ألف نقطة. وتراجع المؤشر وقت الظهر بواقع 60ر1% ليصبح 12484 نقطة.
لا يزال التجار والمحللون يجدون صعوبة في معرفة أسباب هذا الانهيار في الولايات المتحدة على وجه الدقة "حيث لا يزال الكثير من المستثمرين في حالة ذعر تامة" حسبما رأى ألتمان مضيفا: "السبب في ذلك هو مزيج من أسعار مبالغ فيها سابقا في أمريكا وتحمس مفرط ثم ارتفاع مفاجئ في الفائدة" حسب تفسير دانيل سورينز من مكتب فاينجولد لأبحاث سوق المال.
ونسبة إلى الانهيار الذي شهدته البورصة عام 1987 وعرف باسم "الاثنين الأسود" تحدث سورينز عن "اثنين رمادي".
وكان تقرير سوق العمل الأمريكي يوم الجمعة قد كسر معنويات المستثمرين بالفعل. وكان تباطؤ النمو في الأجور رغم الازدهار الاقتصادي أكثر مما كان متوقعا وهو ما كان جميلا للأمريكيين من ناحية، ولكنه ربما حرك التضخم من ناحية أخرى، الأمر الذي ربما أجبر البنك المركزي الأمريكي على زيادة الفائدة الرئيسية بنسبة أكثر مما كان يخطط لها، وذلك لكبح ارتفاع الأسعار.
وعلى الجانب الآخر فإن ارتفاع الفائدة لا يعجب المستثمرين حيث إن هذه الفائدة تزيد سعر المال والقروض البنكية مما يؤدي لتثبيط النمو الاقتصادي.
ولكن هل يصلح هذا "الخوف من الفائدة البنكية" وحده كتفسير للانهيار؟
يجيب كريج ايرلام من شركة أواندا للاستثمار في الأسهم عن هذا السؤال قائلا: "هناك بالطبع الكثير من الأسئلة التي تطرح مرة أخرى عن التجارة الذاتية عند التحدث عن هذا الانهيار".
أصبح جزء كبير من أسواق المال يوجه من خلال برامج حاسوبية مما يعني أن التجارة تتم بشكل ذاتي.
فعندما تتجاوز بعض الأسهم حاجزا معينا من السعر فإن برامج "التداول الخوارزمي" تتخلى عن أسهم أخرى في السوق مما يزيد بذلك من تدني أسعار الأسهم.
ويعتقد ايرلام أن الظاهرة التي يطلق عليها تعبير "الانهيار المفاجئ" حدثت هذه المرة أيضا.
فهل انتهى تصحيح أسعار الأسهم بهذا السقوط القصير؟ يفضل خبراء أسواق المال التحفظ في الرد على هذا السؤال.
ورجح وين ثين من مؤسسة براون برازرس للاستثمارات أن تستمر حالة التأهب في الأسواق. ولكن من المؤكد الآن أن الرئيس ترامب سيعاني من تفاخره السابق بانتعاش البورصة.
وذلك لأنه كان يعتبر دائما الارتفاع في أسعار الأسهم إنجازا شخصيا له واعتبر أداء البورصة مقياسا لإنجازاته السياسية واعتبر الأسعار في البورصة هي استطلاعات الرأي الحقيقية عن أدائه وقال: "ها أنتم أولاء ترون ما يحدث مع أسواق الأسهم، الناس يدركون ما نفعله".
وبالفعل كان باستطاعة كل من يفهم أن الاقتصاد لا يعني فقط الحانة المجاورة له ويستطيع العد على ثلاثة أصابع أن رئيسا لم يمكث في منصبه سوى عام واحد لا يمكن أن يكون هو من حقق هذه القفزات.
ولا يمكن للإصلاح الضريبي الذي لم يمر على اعتماده سوى بضعة أسابيع أن يكون السبب وراء ارتفاع أسعار الشركات الأمريكية بواقع ثمانية تريليون دولار وكأنه ساحر.
ربما أصبح اعتبار ترامب هذا الارتفاع في البورصة كيدا مرتدا عليه الآن حيث كتب جي كارني، مستشار الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، قائلا يوم الاثنين على حسابه في موقع تويتر: "إذا نسبت الارتفاع لك فإن السقوط منك أيضا".
إضافة إلى ذلك فإن سوق الأسهم ليس على أية حال مرادفا لحالة السوق حسبما رأى كارني وهو ما جعل الحكومة السابقة لا تتفاخر بأسواق الأسهم.
ولكن النبرة الصادرة عن البيت الأبيض كانت موضوعية بشكل مفاجئ وغير معتاد حيث أكد أن سياسة الرئيس تركز بالدرجة الأولى على البيانات الاقتصادية الأساسية بعيدة المدى "والتي لا تزال قوية بشكل غير معتاد" حسبما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز.
وآثر ترامب نفسه كظم التفاخر بتأثير سياسته على أسواق المال، آثر ذلك بشكل تام هذه المرة حيث لم يتطرق خلال خطبته في أوهايو سوى إلى الضرائب وترك أنصاره يتحدثون عما ينون فعله بمدخراتهم التي كانت بفضله.
بل إن ترامب ربما كان مسؤولا عن هذا التصحيح في أسعار الأسهم أكثر من مسؤوليته عن ارتفاعها.
إن أحد أسباب الخوف من تزايد التضخم وسرعة ارتفاع الفائدة البنكية هو الإصلاحات الضريبية التي اعتمدها ترامب والتي أراد من وراءها أن يزيد من تحفيز الاقتصاد في وقت تزايدت فيه أعداد العاملين وازدهر النمو الاقتصادي.
وحرص ترامب مؤخرا على أن يكون الدولار قويا وأراد تحقيق ذلك أيضا من خلال تزايد الفائدة البنكية وهو الأمر الذي ربما أصبح تحديا لجيروم باول، رجل ترامب الجديد على رأس البنك المركزي الأمريكي والذي تسلم عمله الاثنين من جانيت يلين التي كانت تعرف بحذرها المفرط "وربما لم يتصور باول أن عمله سيكون على هذا النحو" حسبما رأى الخبير ايرلام.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية