FINANCIAL TIMES

اقتصاد الانتباه يحذر من مخاطر أمراض غامضة

في أوائل عام 1918، لاحظ الدكتور لورينج ماينر في مدينة هاسكيل في ولاية كانساس الأمريكية، إلى أنه كان يتلقى زيارات من المرضى دون انقطاع.
أحيانا كان ينام في عربته ويترك الحصان يمشي إلى المنزل دونه. القضية هي أن سلالة جديدة غامضة من الإنفلونزا ضربت المنطقة.
بحلول عام 1919، أدت هذه "الإنفلونزا الإسبانية" إلى وفاة عشرات الملايين في مختلف أنحاء العالم.
هذا الوباء (الذي ربما وصل إلى هاسكيل من الصين) لم يكن مجرد إنفلونزا: معظم الضحايا، بعد أن يصابوا بالمرض، كانوا ربما يموتون من التهاب الرئة البكتيري، وفقا للمعهد القومي للحساسية والأمراض المعدية في الولايات المتحدة.
الآن يمكن علاج التهاب الرئة إلى حد كبير للغاية. مع ذلك، في عام 2015 وحده، قتل هذا المرض 920 ألف طفل دون سن الخامسة، أي أكثر من أي مرض آخر، وفقا لتقرير من منظمة "أنقذوا الأطفال".
تخيل طفلا تعرفه جيدا. ثم تخيل أنك تشاهد هذا الطفل وهو يموت من مرض يمكن بشكل عام الشفاء منه باستخدام مضاد حيوي بسعر نصف دولار. هذا الأمر يحدث مرتين كل دقيقة في مكان ما في البلدان النامية، حتى في الوقت الذي نقضي فيه على أمراض أخرى. المعدل العالمي لوفيات الأطفال دون سن الخامسة هبط من 93 لكل ألف طفل يولد حيا في عام 1990 إلى 41 طفلا في عام 2016 (وهو أدنى معدل على الإطلاق).
لماذا إذن يجري التصدي لبعض الأمراض في حين تترك أمراض أخرى؟ هذا جزئيا هو حكاية ضمن اقتصاد الانتباه.
مثل الأغاني الرائجة أو ألعاب الفيديو المشهورة، يتنافس المرض مع أمور أخرى من أجل الانتباه. المزيد من الانتباه يعني في العادة المزيد من التمويل، وعددا أقل من الوفيات.
حتى نفهم طريقة عمل هذا الأمر، لنقارن مرض التهاب الرئة بالإيدز. هذان المرضان مميتان بالقدر نفسه – أدى الإيدز إلى وفاة نحو مليون شخص في عام 2016، بحسب منظمة الصحة العالمية. والمرضان قابلان للعلاج. مع ذلك فاز مرض الإيدز بمعركة الانتباه.
هذا يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين استفاق الغرب على المرض. كثير من السياسيين تجاهلوا "وباء غير الأسوياء"، لكن بعض الشخصيات المشهورة مثل الأميرة ديانا، انخرطت في الموضوع.
لقد تعرضوا للسخرية، لكنهم اجتذبوا الانتباه. كثير من الغربيين المصابين بالإيدز كانوا من البالغين الأغنياء، الذين لديهم القدرة على التعبير عن أنفسهم. وبالتالي كان من الطبيعي أن يحصلوا على التغطية الإعلامية.
بعد ذلك بدأت تأتي تدفقات التمويل. بحلول أواخر التسعينيات، كانت هناك علاجات جديدة استطاعت إنقاذ الأرواح في مختلف أنحاء العالم.
في عام 2002 كانت منظمة الصحة العالمية وراء إنشاء "الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا". هذه الأمراض الثلاثة كانت تفتك بالملايين وتعيث الفساد في اقتصادات البلدان النامية.
وقد تبرع بيل جيتس وآخرون بالمليارات. وتضافرت شبكات من الخبراء والناشطين والممولين لمكافحة هذه الأمراض.
كانت النتائج قصة نجاح. التشاؤم حول الأمراض في البلدان النامية هو ببساطة غير صحيح. عدد الأشخاص الذين يعالجون من مرض الإيدز في الوقت الحاضر في البلدان ذات الدخل المتدني والمتوسط، قفز ألف مرة منذ عام 2000، في حين أن متوسط تكلفة العلاج تراجعت 100 مرة، كما يقول جيفري ستيرتشيو، الذين يترأس مؤسسة رابين مارتن الاستشارية في مجال استراتيجية الصحة العالمية.
انخفضت الوفيات الناتجة عن الملاريا بنحو النصف منذ عام 2000، حيث وصلت إلى 445 ألف وفاة في عام 2016. في بعض المناطق أصبح من الصعب العثور على المرض. بيد أن معظم العاملين في المجال الصحي والعلماء الذين انخرطوا في مكافحة الملاريا نحو عام 2000 يريدون أن تبقى جهودهم مع هذا المرض، بدلا من تغيير مسار حياتهم المهنية، من خلال إعادة التدريب على مكافحة التهاب الرئة مثلا.
اقتصاد الاهتمام يجتذب كذلك المال نحو الأمراض التي يمكن استئصالها بشكل معقول. هذا هدف يستثير حماسة المتبرعين. شلل الأطفال (37 حالة تم الإبلاغ عنها في عام 2016) ومرض دودة غينيا (تم الإبلاغ عن 30 حالة في عام 2017) يمكن أن يختفي خلال فترة قريبة.
الحالات الأخيرة الباقية تجتذب مبالغ ضخمة من حيث التمويل. في الوقت نفسه، هناك تجاهل على الأغلب لمرض الالتهاب الرئوي.
ديفيد بيرلان من جامعة فلوريدا ستيت يستشهد بعضو من الشبكة العالمية غير الرسمية للالتهاب الرئوي الذي قابل الممولين الصحيين العالميين في عامي 2004 2005 قال إن: "صفر من 30 يمكن أن يعتبر الالتهاب الرئوي المرض القاتل الأول للأطفال. هؤلاء أشخاص برمجوا مليارات الدولارات في الإنفاق الصحي العالمي.
ثم حين نسألهم ’ما هو في رأيكم المرض الذي يقتل أكبر عدد من الأطفال؟‘ سيكون جوابهم ’الإيدز والسل والملاريا‘. والصحيح أن ذلك ’خطأ، إذ ليس هناك سوى الرقم: 3، أي الملاريا". حتى في الوقت الحاضر، معظم وزراء الصحة في البلدان النامية يظلون جاهلين بالقدر نفسه. التهاب الرئة، إذ لا يزال "مرضا غير مثير". ولا تكاد توجد أي مؤتمرات طبية تعقد حول "أهم مشكلة في طب الأطفال في العالم"، كما يلاحظ كيم ملهولاند من كلية لندن للنظافة الصحية والطب المداري.
السبب في ذلك إلى حد كبير هو أن التهاب الرئة لا يقتل الأغنياء على الإطلاق. الضحية المعتادة للمرض هو "الطفل الذي يعاني سوء التغذية، الذي يأتي من أفقر العائلات، ومن المناطق التي هي في الواقع غير مخدومة من قبل الحكومة" كما يقول ملهولاند.
هناك مرض يصيب الأطفال الفقراء – الإسهال، الذي يقتل أكبر عدد من الأطفال بعد التهاب الرئة، هو مثال آخر – لا يؤدي إلى نشوء مدافعين أغنياء قادرين على الحديث عن المرض.
فضلا عن ذلك، لا توجد رصاصة سحرية لعلاج الالتهاب الرئوي. لهذا المرض أسباب كثيرة، ولديه شكلان رئيسان: فيروسي وبكتيري.
في الأغلب يخطئ العاملون في المجال الصحي في تشخيص المرض، وأحيانا لأنهم لم يتلقوا التدريب على التهاب الرئة. وسوف يستمر كثير من العاملين في المجال الصحي في الهجرة من البلدان الفقيرة إلى الغنية، كما يقول توم كينيون، الذي يترأس مشروع HOPE، وهو منظمة صحية غير حكومية.
مع ذلك، وعلى الرغم من صعوبة التهاب الرئة، إلا أنه قابل للعلاج. تراجعت الوفيات الناتجة عن المرض، وإن كان ذلك بشكل بطيء. يقول هاري كامبل من جامعة أدنبره: "نستطيع أن نحقق الكثير من خلال اللقاحات والمضادات الحيوية الموجودة حاليا، إذا استطعنا إيصالها إلى أفقر الأطفال".
في الوقت الذي تتراجع فيه الأمراض الأخرى، ننتقل إلى أعلى السلسلة من حيث الأمراض التي يصعب الوصول إليها، ومن سوء الحظ أنها تكمن في تلك التي تقتل أطفال الفقراء أو الفقراء.
"أهداف التنمية المستدامة" من الأمم المتحدة، التي وضعت جزئيا من قبل منظمات الضغط لمصلحة أمراض مختلفة، حددت الهدف اللافت للنظر ألا وهو القضاء على حالات وفاة الأطفال "القابلة للمنع" بحلول عام 2030.
يقول كيفن واتكينز، الذي يترأس منظمة أنقذوا الأطفال: "عليك أن تقول إن التهاب الرئة هو السبب النهائي القابل للمنع من حيث موت الأطفال". من هنا، فإن لدينا في اليد، الخطوة المقبلة التالية للإنسانية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES