الهيئات العامة المستقلة للإعلام .. بين النجاح والإخفاق

|

لا ننكر أن الإعلام السعودي حقق تطورات هيكلية كبيرة طوال تاريخه المديد، فقد بدأ الإعلام بإدارة للمطبوعات في الهيكل التنظيمي لوزارة الخارجية في مكة، ثم تابع تطوراته الهيكلية ليكون إدارة مستقلة في عام 1954 تحمل اسم المديرية العامة للصحافة يوم أن كانت الصحافة فقط هي التي تمثل الإعلام، ولكن بعد تأسيس الإذاعة جرى تطوير المسمى إلى المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر. وكان الإعلام السعودي يومذاك مجرد صحافة للأفراد وإذاعة للحكومة، ولكن حينما تأسس التلفزيون الحكومي في عام 1965 بمحطتيه في الرياض وجدة أصدر الملك فيصل في عام 1962 أمرا ملكيا بتحويل المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر إلى وزارة للإعلام.
وظلت وزارة الإعلام تحبو مع مفهوم تقليدي للإعلام وهو "التبليغ والإعلام" أي تبليغ الرسائل الإعلامية إلى مستقبليها في الداخل والخارج، ولكن مع تقادم الأيام ودخول العالم في ثورة تكنولوجيا المعلومات والإنترنت تطور مفهوم الإعلام ولم يعد الإعلام يبلغ الرسائل فحسب، بل أصبح الإعلام يضطلع بمهمة التبليغ والتأثير والعمل على تحقيق الأفعال.
الإعلام اليوم كالأخطبوط يملك تغيير الواقع بالقوة الغاشمة، أي القوة الخفية التي تؤثر وتصنع الأحداث وتغير التوجه والوجهة.
وأمام الاعتراف بهذه القوة الخفية للإعلام الحديث اتخذت حكومة خادم الحرمين الشريفين في عام 2012 قرارات ملكية تستهدف فصل الكيانات الإعلامية الرئيسة من وزارة الإعلام وإعطاءها استقلالية الكيان والأداء، حتى تستطيع أن تسبح في الفضاء مع الإعلام الرقمي الجديد، وتحقق للإعلام السعودي التطور المنشود وتجعله قوة ضاربة وآلة تغير وتفرض سيطرتها على الأحداث.
وبموجب هذه القرارات الملكية نشأت في عام 2012 هيئة الإذاعة والتلفزيون وكلفت بتطوير الرسالة الإعلامية بما يتناسب مع المستجدات في عالم يزخر بإعلام يتجاوز عنان الفضاء ويسبح في سماوات مفتوحة.
وكذلك صدر أمر ملكي بتأسيس الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع كشخصية اعتبارية مستقلة والهدف هو تنظيم نشاط البث الإعلامي المرئي والمسموع وتطويره ومراقبة محتواه.
وعلى غرار استقلال هيئة الإذاعة والتلفزيون، والهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع صدر أمر ملكي باستقلال وكالة الأنباء السعودية.
وقبل هذا وذاك فقد صدر قرار من مجلس الوزراء في عام 1963 باعتماد تطبيق نظام المؤسسات الصحافية الذي أعطى للمؤسسات الصحافية حقوق إصدار الصحف المحلية.
والسؤال المهم: هل كانت هذه الهيئات المستقلة عن وزارة الإعلام في مستوى المسؤولية، وهل نجحت في تطوير الرسالة الإعلامية، أم أن التطور الذي حققه الإعلام السعودي هو مجرد تطور هيكلي بعيدا عن الفعل الإعلامي المؤثر سواء على الصعيد المحلي أو الصعيد الخارجي؟!
الواقع أن تطور الإعلام الحكومي لم يكن حسب المأمول والمنتظر منه، وأن هيئات الإعلام المستقلة لم تحقق ما كنا نتمنى ونتوخى، وفي المقابل فإن إعلام القطاع الخاص السعودي الذي بدأ يأخذ طريقه إلى الوجود مع بداية التسعينيات الميلادية هو الذي يرود الإعلام السعودي ويثبت تقدمه ليس على مستوى الإعلام السعودي فحسب، وإنما على مستوى الإعلام في الساحتين الساحة الخليجية والساحة العربية، حيث أصبح الإعلام السعودي يهيمن على الساحتين العربية والخليجية، ولو لم يكن إعلامنا الخاص بهذا المستوى من القوة والتمكن لكنا قد خسرنا كثيرا، لأن المملكة في هذه المرحلة في أمس الحاجة إلى إعلام قوي ومؤثر في كل أنحاء عالمنا العربي!
حقيقة إن التطور الذي حققته المملكة في كل المجالات السياسية والاقتصادية والرياضية يحتاج إلى إعلام قوي وموازي بحيث يستطيع أن يسلط الضوء على الإنجازات التي حققتها وتحققها الدولة السعودية.
مما سبق نلاحظ أن وزارة الثقافة والإعلام ــ بعد فصل الكيانات الإعلامية الصحافة، والإذاعة، والتلفزيون ــ فإن وظيفة الإعلام في الممارسات الفنية ذهبت إلى هيئات مستقلة.
ويبدو أن هذا التوجه هو التوجه الذي أخذت به كثير من الدول، حيث تسرعت هذه الدول إلى فصل الإعلام من وزارات الإعلام ومنحته استقلالية كاملة، ونأخذ على سبيل المثال المملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية مصر العربية اللتين تسرعتا بإلغاء وزارت الإعلام، ولكن بعد تجربة مريرة أثبتت أن الإعلام الحكومي جزء لا يمكن الاستغناء عنه في منظومة المؤسسات الحكومية، هما الآن تعضان أصابع الندم وتفكران جديا في إعادة الإعلام الحكومي إلى منظومة الهيكل التنظيمي للحكومة حتى يعود أحد الأجنحة المهمة إلى المؤسسات الحكومية المتوازنة.
والخلاصة أننا ما زلنا ننتظر ونتطلع بأمل إلى الهيئات المستقلة للإعلام وهي "المؤسسات الصحافية، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، والهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع، ووكالة الأنباء السعودية" وننتظر منها أن تقوم بمبادرات إعلامية عصرية تتواءم مع ما وصلت إليه ثورة المعلومات والإعلام وما وصل إليه الإعلام الرقمي التفاعلي من تطور وقوة وتأثير.

إنشرها