الطالب الجامعي ما بين التظلم والتعلم

|

يظهر أن الجامعات لم تعد حكرا على النخب من الأساتذة، والطلاب، والباحثين، والموظفين. فقد انخفضت نوعية كل هذه العناصر وتغيرت أهدافها وسلوكياتها وهذا بالتأكيد سيكون له أثر في أداء الجامعات. فعلي سبيل المثال نجد أن كل من يحمل مؤهل الثانوية العامة له الحق بالظفر بالمقعد الجامعي حتى أصبحت الجامعات تتفاخر في السنوات الأخيرة أنها قبلت ما يفوق طاقتها الاستيعابية، ونتيجة لذلك اضطرت الجامعات إلى الاستعانة بأساتذة غير أكفاء فكل من يحمل نصف مؤهل له الحق في التدريس وهذا خطأ فادح فأستاذ الجامعة يعد الطالب ويربيه ويصقله داخل الجامعة لعقود حتى تترسخ في ذهنه الأعراف والتقاليد والقيم الجامعية. وأريد أن ألقي الضوء على عناصر مدخلات النظام الأكاديمي من طلاب وأساتذة وقيادات أكاديمية وخطط ومناهج واحدا تلو الآخر كي نعرف أين نحن، وكيف سيكون عليه الوضع في الجامعات في المستقبل المنظور وفقا لما نرى ونسمع؟
وحتى لا تتفرق بنا السبل أريد في هذا المقال أن ألقي الضوء على أهم مدخلات النظام الأكاديمي وهم الطلاب لنرى حجم المأساة ونعرف الواقع بكل تفاصيله. لقد كتبت عدة مقالات بخصوص تدني وضع طلاب الجامعات علميا وسلوكيا في السنوات الأخيرة، ويبدو أن الوضع ليس محليا بل هو قاسم مشترك لجميع دول الخليج خصوصا تلك الجامعات التي تقدم تعليما مجانيا نبهت في حينه إلى أن أهم مدخلات النظام الأكاديمي ليس طلاب علم كما كنا نعهدهم بل مجموعة من الباحثين عن ورقة تسمى "شهادة" بأقصر الطرق وبأقل التكاليف من أجل أن يقتاتوا بها أو يباهوا بها أقرانهم. كما أن نسبة كبيرة منهم لا يريدون مواصلة التعليم الجامعي بعد حصولهم على الثانوية العامة وإنما اضطروا لذلك لأن فرص العمل أمامهم محدودة ولم يجدوا سوى الجامعات تحميهم مؤقتا من شبح البطالة لذا فهم يتعلمون رغم أنوفهم.
وحتى أوضح الصورة أكثر دعوني أضع أمامكم برنامج طالب الجامعة وآلياته في الحضور والغياب والتعامل في السنوات الأخيرة قد سبق أن عرضت هذه الصورة من قبل ولكن لا مانع من إعادتها لأنها تتكرر بالفعل أمام أعيننا. يبدأ الطالب يومه ويحضر محاضراته منذ أن تكون الطير في وكناتها حتى يرخي الليل سدوله إلا أنه يأتي إلينا جسما بلا روح، بلا طموح، بلا أهداف لا ينام من الليل إلا قليلا، فالسهر سجيته والعبث مهنته. يأتي متجردا من أبسط مقومات العلم والمعرفة لا كتاب ولا قلم ولا هندام يحضر من قاعة إلى قاعة ومن درس إلى درس لا يملك من أدوات المعرفة لا قليلا ولا كثيرا. عندها تسأل نفسك هل أنا بالفعل في جامعة أم في الشؤون الاجتماعية، أو في البلدية، أو في شركة الكهرباء، فكل من حولك لا يوحي لك بأنك في جامعة، وهؤلاء الناس الذين تراهم ليسوا طلابا، أين الكتب؟ أين الحقائب؟ أين النقاش؟ أين بيئة الجامعة؟ لا شيء إلا الصمت والأسى والظلام.
ورغم أننا كنا نرى مثل هذه الحالات من قبل وهي مألوفة في أي نظام أكاديمي إلا أنها كانت محدودة للغاية، وما إن تظهر حتى تتلاشى لأن البيئة الجامعية تمقتها وتلقيها خارج أروقتها قبل أن تستفحل. أما في الآونة الأخيرة فقد تنامت بسرعة مذهلة حتى استقر حالها فأصبح ينظر إليها كجزء من القيم الجامعية ومن تراه يحمل قلما أو كتابا أو كراسا يدون فيه ملاحظاته يعد شاذا بين أقرانه.
يحضر الطالب إلى قاعة الدرس ويرمى بجسمه المتثاقل في آخرها فبعض طلابنا يأتون إلى القاعات مبكرين من أجل أن يظفروا بالمقاعد الخلفية ـــ على عكس ما كان معتادا عليه في السابق من التسابق على المقاعد الأمامية ـــ ويبقى في مكانه حتى يتيقن من إثبات حضوره عندها يرفع يده فتظنه يستفسر عن معلومة إلا أنه يفاجئك بأنه يريد الانصراف بحجة أن أباه في المستشفى، أو أن أمه تعاني مرضا مزمنا، أو أن أخاه مريض، أو أن إحدى قريباته تنتظره كي يوصلها إلى مقر عملها أو أي من هذه الأعذار الواهية. يبدل ويغير حسب نوعية الأستاذ وتقبله، فإن وافق الأستاذ على طلبه وإلا تسلل من القاعدة دون أن تدري أو يستلقى على كرسيه ويدخل في سبات عميق. وعندما ينتهي الفصل الدراسي ويجد اسمه مع المحرومين من دخول الاختبار النهائي لتجاوزه نسبة الغياب المسموح بها نظاما يرمي عليك إخفاقاته ويظنك سبب عثراته.
وقد يلوم الطالب أستاذه بل قد يوبخه سرا وعلانية وإن لم يستجب له فيقدم ضده تظلما في نهاية الفصل الدراسي، فبدلا من أن يركز الطالب على المادة العلمية يقوم بالتربص بأساتذته بصفة دورية، يوثق إخفاقاتهم ويسجل كلماتهم وقد يصور ما بدا له من أجل أن يستعين بها في نهاية الفصل الدراسي كأدوات ضغط. وبدلا من أن ينشغل الأستاذ بالاختبارات ورصد الدرجات تكون مهمته الرد على المرافعات والشكاوى والتظلمات لأنها ليست واحدة أو اثنتين أو ثلاث بل قد تصل إلى عشر تظلمات من الطلاب فرادى وجماعات. هذه بعض من سلوكيات طلاب الجامعات في المرحلة التي نعيشها، وهناك الكثير لعلنا نتطرق لها في المقال المقبل ــــ إن شاء الله.

إنشرها